نريد "حلم ليلة صيف" لا أكثر أيتها السياسة!

6 آب 2018 | 11:55

المصدر: "النهار"

حلم ليلة صيفية (جميل ملاعب).

السياسة، هل تتحمّل الشعر، هل تهتدي ببوصلته، هل تأخذ بدلالاته "الخلاصية"، من أجل أن لا تضلّ الطريق، أو من أجل أن "تحلم"، و"ترى" (من رؤيا)، فتصير الحياة ألذّ وأعمق، وأكثر رأفة بمريديها؟ 

والشعر، هل يليق به أن يهادن، أو يمالئ، أو يدوّر الزوايا، من أجل أن يحظى بمكانٍ، أو بمكانة، تحت شمس السلطة والحكم والشأن العام، فيعيش من جرّاء ذلك آمناً مطمئناً رخيّ البال؟

لا شأن لي بالسياسة. ولا بالسياسيين. كلّ ما أعرفه في هذا الباب، وهو قليل، يمنحني القدرة المتواضعة على استخلاص العِبَر من وقائع هذه السياسة، ومضمراتها، ومن مآلاتها التي تتمرّغ في غالبيتها الساحقة في أدران الصغائر والدناءات.

هذه العِبَر تنأى بالسياسة عن مفهوم السياسة أولا، كعملٍ يبتغي الخير العام للدولة وللشعب. فلا بدّ، والحال هذه، من أن تنأى بها عن القيم والأخلاقيات، فكيف لا تكون تنأى بها عن الشعر إلى حدّ الإقامة المطلقة على طرفٍ نقيضٍ منه.

ليس من علاقةٍ في الأساس – إلاّ افتراضية - بين السياسة والشعر. أعرف هذا تماماً، بحكم إقامتي شبه الدائمة في كنف الشعر، وبحكم "سذاجتي" السياسية وأحلامها المستحيلة.

لكن، قد تجوز إقامة علاقةٍ بين السياسة والشعر، عندما نعتبر أن السياسة "تحلم" بتحقيق سعادة الشعوب، ورفاهها، وضمان حرياتها، وعيشها الحرّ الكريم.

فبأي "حلمٍ" تحلم السياسة عندنا، وبأيّ "حلمٍ" يحلم رجالها؟

أتحلم السياسة عندنا بسعادة اللبنانيين، وقد هجرت السعادة هؤلاء، بعدما حلفت يميناً معظّمة بالهرب، حرصاً على جيناتها الكيانية، فصار هؤلاء اللبنانيون محبطين يائسين متألمين مشتهين الموت خلاصاً لهم من هذه السياسة ومن هؤلاء السياسيين؟!

أتحلم السياسة عندنا برفاه اللبنانيين، وقد باتوا في أكثريتهم يدقعون تحت خطّ الفقر، واتخذ شبابهم الهجرة طريقاً، بحثاً عن أرضٍ وفيّة بدل هذه الأرض، وبحثاً عن سماءٍ رؤوم رؤوف، بدل هذه السماء؟!

أتحلم السياسة عندنا بضمان الحريات للبنانيين، في حين أنها تعيدهم إلى أزمنة الاستعبادات والوصايات والاحتلالات، وتنكّل كلّ يومٍ بأحرارهم، وتدجّن المعترضين المتمرّدين الرافضين، وترهّبهم، وتضيّق الخناق عليهم، وتدعوهم إلى طأطأة الرؤوس، وإسكات الصراخ الذي يجهر بالحقّ، ويطالب فقط – فقط لا غير – بلقمة الخبز والسقف الأمين والعدل والحقّ والدستور والقانون و... كرامة الحياة؟!

استدلالاً، بمَ "تحلم" السياسة عندنا؟!

أجيب عن السؤال بإحالته على واقع الدولة اللبنانية، وواقع مؤسساتها، وواقع المسؤولين والعاملين فيها، رؤساء ومرؤوسين.

وأجيب عن السؤال بإحالته على وقائع الحياة اللبنانية اليومية، وعلى الظروف التي تحيط بحياة غالبية اللبنانيين.

وأجيب عن السؤال بإحالته على واقع فرص العمل والمدرسة والجامعة والمستشفى والدواء والضمان والتقاعد والكهرباء والسير والبيئة والعمران والمشهد الطبيعي والماء والهواء والزرع والضرع والبحر والجوّ والسهل والجبل.

وأجيب عن السؤال بإحالته على واقع الخزينة وفداحة الدين العام ونسبة النموّ التي تكاد تبلغ العدم.

وأجيب عن السؤال بسؤال لماذا لا تتألف الحكومة؟!

وأجيب عن السؤال بسؤال لماذا لا تتألف الحكومة من ناسٍ اختصاصيين أوادم أصحاب كلمة وموقف ورأي، وليسوا أحجار شطرنج عند هذا الحزب وذاك المذهب وتلك الطائفة؟!

وأجيب عن السؤال بسؤال "من أين لكَ هذا"؟ وكيف حصلت على هذا؟ ومتى نتخلّص من كلّ هذا؟!

وبعد،

إذا كان ليس من علاقةٍ مباشرة بين الشعر والسياسة، وإذا كان، في كلّ حال، لا يليق بالشعر أن يكون شعر بلاط، فـ"يتسيّس" بهذه السياسة الدنيئة، ويهادن، ويمالئ، ويدوّر الزوايا، ويتغاضى، ويتواطأ، ويعقد الصفقات، من أجل أن يحظى بمكانٍ، أو بمكانةٍ، تحت شمس السلطة والحكم والشأن العام، أفلا يليق به أن يكون ملهماً للسياسة، "رائياً" لها، ومحرِّضاً إيّاها، من أجل أن "تحلم"، وإن "حلم ليلة صيف"، بتخفيف الكوابيس التي تقضّ الشرط البشري اللبناني برمته، وتحقيق (ولو) مطلبٍ واحد – مطلب واحد فقط لا غير – (من مثل الإتيان بوزير للطاقة شبعان من حليب أمّه ليضع حدّاً نهائياً لفضيحة الكهرباء، أو وزير للأشغال يشتغل في أقاصي عكار وفي أقاصي بعلبك الهرمل أكثر مما يشتغل أمام بيته وأمام بيت معلّمه، ووزير للعدل يضع القانون فوق كلّ اعتبار، ووزير للمهجّرين يعيد المهجّرين، وآخر للخارجية يضع مصلحة الدولة العليا فوق كلّ اعتبار، ووزير للمال يؤمّن لقمة الناس قبل تأمين لقمة طائفته، ووزير للداخلية محايد يشرف على الانتخابات ولا يكون طرفاً متورطاً فيها، ووزير للدفاع يجعل سيادة الدولة على كامل أراضيها حكراً على الدولة نفسها ومؤسساتها العسكرية...)؟!

بماذا "يحلم" الشعر عندما يتعاطى السياسة؟

الشعر "يرى" هذا، و"يحلم" بمثل هذا. "حلم ليلة صيف"، نريد، لا أكثر، أيتها السياسة!

Akl.awit@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard