شارلي شابلن يموت وحده

5 آب 2018 | 14:20

المصدر: "النهار"

شارلي شابلن.

أعمل مصلّحاً للأجهزة الكهربائية الدقيقة في مدينة أور. تعلمتُ من زوربا حب الحياة، وكنت كغيفارا متمرداً، معوزاً للفرح، لابتسامات الناس، للربيع يلامس قلبي، للبياض، لرؤية الألوان الفاتنة تطرز حياة الآخرين، لأجواء السعادة تشرق عليهم مثلما أشرقت شمس تموز صباح اليوم الجمعة، فوق هامات النخيل بلون أرجواني مخضر، لتشرق معها على وجهي الأسمر الجنوبي ابتسامة شارلي شابلن. 

ابدأ صباحي بابتسامة لأنهي غروبي بابتسامة. أبدأ عملي بابتسامة لأحافظ على مزاجي رائقاً طوال النهار حتى الغروب، لكأنني أجامل الصباح والناس والغروب بابتسامة صادقة ترمم القلوب المخدوشة بالحزن. أفضّل أن يراني الناس بوجه تشرق فيه ابتسامة دائمة، أمشي بينهم في الأسواق والأزقة بخطوات شارلي شابلن، مرتدياً ألوان الفرح الفاتنة، مرفوع الرأس، لأنني أُنفق وقتي كله مطأطئ الرأس، عاكفاً على تصليح أجهزة التلفزيون والستلايات.

أخذتُ قول شارلي شابلن على محمل الجد: لن تجد قوس قزح ما دمتَ تنظر إلى الأسفل. آمنتُ برأيه : يوم من دون سخرية هو يوم ضائع. نهار يوم الجمعة مشرقٌ، كنتُ مثله مشرقاً بالمسرة. تذكرتُ أنه اليوم الذي صُلِب فيه المسيح. صرتُ أشيع أجواء الفرحة، فأمازح الباعة المتجولين والكسبة وعمال المسطر والعتالين والصبية بائعي الماء البارد والمتسولين، وأوصي نفسي بأن أكون هادئ البال منشرحاً.


لم أعش حياتي متذمراً ساخطاً. عشت بقلب أبيض راضياً. عشتها هكذا، حتى لا أصاب بالحزن. علّقتُ على الحائط، بدل صورة السيد الرئيس فوق رأسي، حكمةً قالها شارلي شابلن: لو كنتُ نبياً لجعلتُ رسالتي السعادة لكل البشر، ووعدتُ أتباعي بالحرية، ومعجزتي أن أضع البسمة والضحكة فوق أفواه الصغار، وما كنت لأتوعّد أحداً بنيران جهنم، ولا أعد أحداً بالجنة. كنت سأدعوهم فقط إلى أن يكونوا بشراً، وأن يفكروا.

يقرأ تلك الحكمة، كل من يدخل ورشتي. ينعتني أبناء مدينتي بشارلي شابلن، لأنني أمشي مثل مشيته، وأبتسم ابتسامته. أدمنتُ مشاهدة أفلامه، إلا أنني أختلف عنه في حبي للإلكترونيات. أعيش وحيداً، وينطبق عليَّ قول رافائيل ألبرتي: أنتَ في وحدتك بلدٌ مزدحم.

بلغت درجة الحرارة 54 مئوية. أتلظى بمجرد خروجي إلى الشارع. أشاهد غيوماً سوداً وسط الحر القائظ في هذا الصيف المر، تصنع فيئاً بارداً. اعلم أنها أجواء الشؤم التي تُذهِب البسمة؛ أجواءٌ تُقبِض القلب. المتبضعون يسيرون غير مبالين بالحر لأنهم اعتادوه. حرارة أنفاس الناس تتشظى حارةً هائجة تصل إلى حدّ القسوة المنفرة. شمس الضحى قاسية تستمد لونها من لون العسل. ابتسم للشمس العسلية. أتمنى نزول المطر، مدراراً، بأصوات رنانة تملأني بهجة لألوان أكثر ابتساماً.

يمر أمام ورشتي الصغيرة وعلى الرصيف المقابل لورشتي رجال وأولاد صغار ونسوة يتسوقن. أسمع أصوات الحياة الصاخبة. أضحك بفرح طفولي. يحتسي روّاد المقهى أمامي الشاي على رغم ارتفاع درجات الحرارة في هجير أكثر أيام الصيف قيظاً. يدخل شخص عليَّ. لا أرفع رأسي لأراه. أحسستُ بدخوله. كنت منهمكاً في عملي. رنوتُ إليه: هو جارنا يحيى المنغولي.

كان يحيى نقياً ودوداً بريئاً عذباً بلا حدود، ينجذب الناس إليه كالفراشات. يرنو إليَّ، يمسك بيده ستلايت قديماً جداً مع جهاز التحكم من بعد. يتلفت ويبتسم، يبتسم ويتلفت. أتلفت إليه وأبتسم. ينظر إليَّ وانظر إليه. كان يراوح بقدميه وهو واقف كأنه في كردوس عسكري أمر بـ محلّك قف، مكانك قف. بشفتين يابستين أخبرني بصوت فيه إشراقة رجاء ممزوجة بخجل، مرّت بقلبي ونشرت المسرّة: إنه عاطل، وعليّ إصلاحه.

شعر قلبي بالسعادة، راح قلبي يضرب بسعادة، أضلاع قفصي الصدري. ابتسمتُ، فابتسم. ضحكتُ ملء روحي، فضحك ملء روحه، ومازحته: أأنت عاطلٌ من العمل أم الجهاز؟ ضحك. سافرتُ مع ضحكته بمزاج جديد داخل نفسي. ضحك ملء روحه الطاهرة. كنت انظر طوال حديثنا في عينيه المنغوليتين. أخبرته بعدما فحصت الستلايت أن الجهاز صالح للعمل وفي حال جيدة، وأن جهاز التحكم عن بعد كان عاطلاً. طلبتُ منه شراء واحد آخر من المحل المقابل لمحلي، فقال: ما عندي فلوس. ضحكتُ بشدة، وأعطيته ثمن جهاز التحكم عن بعد، فخرج فرحاً مطمئناً مبتسماً، بيمناه جهاز التحكم عن بعد.

بعد خروجه بلحظات، رجّ المكان انفجارٌ عنيف، سبقه سطوع ضوء لهب أزرق مبهر. غليان أحمر، موجة رعب، صراخ، وعويل.

خرجتُ من ورشتي بعد الانفجار، أركض مثل شارلي شابلن لكن دونما عصا، في جوٍّ ملؤه الفوضى والصراخ والدم والقتلى والجرحى والأشلاء. صار المكان بشعاً. ريح حمراء عصفت بالسوق وبالناس وبكل شيء، جعلت أرض أور أرض دم.

أرى الدمار يطاول كل شيء، يهشم موجودات السوق ويجعل الناس أشلاء. بقع الدم تملأ أسفلت الشارع والجدران وهامات النخيل تكتوي بدماء القتلى والجرحى. حفرة كبيرة تمتلئ بالجثث. بضاعة المحال التجارية وزجاج الواجهات المحطمة، تختلط بدماء الأبرياء. صارت شائعةً رؤية الأجساد الممزقة بعد كل انفجار.

خرجت وسط الدمار مرعوباً منهك القوى والروح. حشود من الناجين تجتمع فوق شيء ما، تضربه بشدة. 

للوهلة الأولى ظننته إرهابياً ثانياً يحاول تفجير نفسه. فعادة ما يعمد الإرهابيون إلى تفجير مزدوج. بعد أن ينتهي التفجير الأول، يتجمع الناس لإنقاذ الجرحى فيفجر إرهابي ثانٍ نفسه. كل من في السوق كانوا يضربون شخصاً ما، ويصرخون: أمسكنا الإرهابي الذي فجّر العبوة الناسفة.

صدق حدسي. تدافعتُ بين المحتشدين شاقاً لنفسي طريقاً وسطهم. بصعوبة بالغة أبعدتهم، أزحتهم، بعدما تدافعتُ معهم حتى وصلت إلى الإرهابي. رأيته. انه يحيى المنغولي، وقد فارق الحياة لكثرة ما تلقى من ضربات مميتة. جسده مدمى، بيده اليمنى جهاز التحكم عن بعد خاصته. مات هادئ البال مطمئناً. تلقّى موته ببسالة ورباطة جأش، على رغم أنف الموت، وقد ارتسمت ابتسامة عذبة فوق شفتيه الشبيهتين بفم السمكة. عيناه المنغوليتان تطالعانني بحسرة فيها لوعة، فيها تعبير طفل مرعوب عوقب عقاباً قاسياً. جثوت عنده غير مصدق، وقد راحت دموعي تتساقط عليه، وتمطره.

اعتقد الناجون انه هو مَن فجر العبوة الناسفة وسط السوق.

رحت أصرخ في وجوههم المرعوبة مزيلاً اللبس الحاصل.

أخبرتهم الحقيقة.

مقتله أشعل قلبي بالحزن. شعرتُ بنفسي وحيداً فاحتضنتُه.

في تلك اللحظات غربت شمسه. ألقت غبارها على قلبي. سرقت منه حياته، سرقوها.

رحت أبكي بحرقة عليه.

حلمه كان إصلاح جهاز التحكم والستلايت ليرى العالم.

كان طائراً مكسور الجناح.

فكيف يستطيع الخروج من أور؟!

مرّ موته صاخباً وبألم كبير. مرقت فوقنا سحابة بيضاء قريبة غطت عالمنا القاسي. نظرتُ صوبها وهي تحجب الشمس الحمراء المتوهجة المستديرة العمودية، وسط سماءٍ رصاصية داكنة.

دوّى آنذاك، صوت انفجارٍ ثانٍ.

(الناصرية، العراق، فجر يوم الأحد 10/6/2018)


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard