ضحيت بـ 15 عاماً من عمري وطاقتي... "ولا مرة تحط الوقت والعمر حجة"

2 آب 2018 | 14:17

المصدر: "النهار"

نادين انطون.

لطالما كان شغفها مساعدة الآخر، كانت في قرارة نفسها تعرف هذه الحقيقة لكن لا تعرف كيف تفعل ذلك؟ دخولها في معترك العمل جعلها بعيدة من نفسها، لم تكن هي بل كانت شخصاً عملياً كحال كثيرين منا. مرض والدتها غيّر حياتها، جعلها في مواجهة مع نفسها وامام خيار مفصليّ. تركت وراءها 15 عاماً في إدارة العمل لتبحث عن نفسها، سعادتها كانت في مكان لن تتوقعه، حاربته بداية قبل ان تغرق فيه وتُحلق بعيداً.

كانت نادين خليل تحب الرياضة منذ صغرها لكن لم تنمِّ هوايتها، كانت منغمسة في دروسها وخياراتها واختصاصها البعيد عما يُشبهها داخلياً. بالنسبة اليها، لم يكن الأمر سيئاً في البداية، على حدّ قولها "نحن تربينا على فكرة ان نصبح اما أطباء او مهندسين"، لم أفكر كثيراً ودخلت في مجال إدارة الأعمال بعد ان كنتُ متفوقة بعلاماتي.لم أعرف يوماً كيفية التعامل مع الدم، لذا قررتُ ان أدخل معترك إدارة الأعمال".

صفعة الحياة

15 عاماً ونادين تدور في الدوامة نفسها، عملت في أهم الشركات، استنزفت طاقتها ووقتها في المكاتب والسهر والمسؤوليات. لم تكن تشعر بخسارة عمرها الى ان مرضت والدتها في السرطان. كانت صفعة قوية من الحياة، كان عليها ان تحارب السرطان الذي تسلل فجأة الى حياتهما، وفجأة دون ان تشعر وجدت نفسها في مواجهة مع نفسها. تشاركنا افكارها وتفاصيل قصتها قائلة "كثرت الأسئلة بعد مرض والدتي، شعرت ان ما قيمة الحياة امام المرض، ولماذا على الشخص ان يفعل أشياء لا يحبها...وبعد سنة من العلاج، تدهورت حالة والدتي ولم يعد هناك امل في الشفاء، قررت عندها ترك عملي والبقاء الى جانبها. لم يكن هناك شيء يستأهل التمسك به أكثر من وجودي بقربها في أيامها الأخيرة".

تعرف نادين ان قوتها الخارجية تخفي وراءها شخصية حساسة. تعيش مع ولدين وزوجها يعمل في الخارج، في حياتها مسؤوليات كثيرة، لم تشكُ منها يوماً، هي تعطي كل ما تملك. لكنها لم تعد قادرة على المضي في عمل ليست سعيدة به. كان لديها حب في داخلها لم تُنمّه، تعلّمت علم الطاقة من أجل نفسها، وبينما كانت والدتها في المستشفى وفي ظل الضغوط النفسية التي عاشتها في هذه التجربة، قررت نادين ان تُشارك بجلسات استرخاء relaxation تساعد في رؤية الأمور بمنظار آخر".

عالم غريب عنها

من جلسة للاسترخاء الى حياة أخرى، محادثة صغيرة كانت كفيلة في قلب حياة نادين رأساً على عقب وكأنها وُلدت من جديد. تتحدث نادين عن هذه المحطة المفصلية في حياتها "بينما كنت أشارك في إحدى الجلسات صارحتني المدربة قائلة "عليك الدخول في هذا المجال، تملكين كل المواصفات، لديك قدرة تحمل وطاقة ايجابية يمكن ان تساعدا الآخرين".

تتابع نادين حديثها "اقتراح خوض غمار اليوغا جعلني مذهولة، لم اجد يوماً نفسي أدرب اليوغا او أعلمها. اعطتني رقم مدربة من أميركا ستعطي صفوفاً في اليوغا في لبنان، لم أجد نفسي إلا أتصل بها، شيء اقوى مني جعلني اجري الإتصال. لم يكن ثمة غير مكان واحد والمشتركة حجزت في انتظار دفع رسوم الدورة التي تُكلف حوالى 5000 دولار".

كانت الجلسة كالجحيم

شعرت نادين انها لن تكون لها يوماً، هي أصلاً غير معنية بذلك كما كانت تظن. لكن مسار الأمور كشف لها انها أكثر شخص معني باليوغا وانها الوحيدة التي ستبرع فيها في المستقبل. بعد ان تأكدت ان المشتركة الأخيرة ستشارك في الدورة جاءها اتصال في اليوم التالي يقول لها: "اذا اردت الإشتراك فعليك الحضور في غضون ساعتين". لم تصدق نادين ذلك، ودون ان تفكر توجهت الى المصرف ودفعت المبلغ وتسجلت في اليوغا.

كان اليوم الأول في صف اليوغا كما وصفته نادين "كالجحيم، قررتُ ان اترك الصفوف وعدم العودة الى هذا المكان. لم احب بتاتاً هذا الصف وشعرت ان نادين التي اعرفها ستتغيير، خفت من عدم ايجاد نفسي". لكن طلب المدربة في اعطاء فرصة واحدة واخيرة لليوغا، جعلها تتريث قليلا إلا ان نادين كانت في قرارة نفسها قد اتخذت قرارها "لن أعود مجدداً".

أنتِ مصدر طاقة

لم تكن نادين الوحيدة التي تريد مغادرة الصفوف، كان ثمة مشتركتان أخريان اتخذتا القرار نفسه، لكن المدربة لم تسمح لنادين بالمغادرة وطلبت منها العودة يوماً واحداً وبعدها يمكنها ان تفعل ما تريد. تشرح نادين "قالت لي المدربة انها ترى فيّ معلمة رائعة لليوغا واني املك طاقة ومستقبلي سيكون ناجحاً مشرقاً في مساعدة الآخرين".

في اليوم التالي، استيقظت نادين وكأنها شخص آخر، من الساعة 7 صباحا حتى 8 ليلاً، لم تشعر بالوقت والملل والتعب. درست العضلات كلها ووظائفها، وخضعت للامتحانات وتقديم صفوف امام اللجنة. دخلت في هذا العالم لتجد نفسها اليوم مدربة في أكثر من ناد كبير، لديها 200 تلميذ، سلكت مسارها دون ان تتقصد ذلك وهي اليوم اكثر من سعيدة.

متصالحة مع نفسي

بالنسبة اليها "سرّ سعادتي اني أقوم بشيء أعشقه، لا أشعر يوماً اني في وظيفة وانما في مغامرة شيّقة ومرحة.مرتاحة مع نفسي وهذا هو الأهم. لقد وجدت نفسي في هذا العالم وتعزيز الثقة بالنفس. انا متصالحة مع نفسي ولا يهمني حديث الناس".

جميعنا سمعنا عن فوائد اليوغا الصحية، وهي بالفعل تساعد كثيرا الجسم في العيش بنمط صحي وضبط الهرمونات وتعزز الثقة والتخلص من السموم في الجسم... تختم نادين تجربتها بالقول "لقد ضحيتُ بطاقتي وبسنوات من عمري على اشياء لا أحبها، لكني لستُ بنادمة فأنا اليوم وجدت نفسي. لذلك اقول لكل شخص "ولا مرة تحط الوقت والعمر حجة، ما تفكر شو بدا تحكي العالم عمول يلي انت بتحبو وعيش مبسوط".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard