تجدّد التوتّر الأميركيّ التركيّ ... "صفقة" برانسون التي حيّرت إعلام البلدين

30 تموز 2018 | 17:58

المصدر: "النهار"

الرئيس الأميركي دونالد ترامب مستقبلاً نظيره التركي رجب طيب أردوغان في البيت الأبيض، 16 أيار 2017 - "أ ب"

يبدو أنّ اسم أندرو برنسون، قسيس أميركي من ولاية كارولاينا الشمالية، سيضاف إلى لائحة المواضيع الخلافيّة الكثيرة التي تشغل العلاقات التركيّة الأميركيّة. صحيح أنّ قضيّة برانسون المحتجز في #تركيا منذ تشرين الأوّل 2016 ليست جديدة، لكن بالنظر إلى الأجواء التفاؤليّة التي سادت بعد قمّة بروكسيل، يُعدّ قرار المحكمة التركيّة الأخير انتكاسة بارزة في تلك العلاقات. 

خدم برنسون جماعة بروتستانتيّة صغيرة في تركيا لأكثر من عقدين من الزمن قبل أن توقفه تركيا في خريف 2016 وتوجّه إليه تهماً ب "التجسّس والإرهاب". وفي تركيا أيضاً عدد من المواطنين الغربيّين المحتجزين بتهم "إرهابيّة" من بينهم سركان غولج، عالم فيزياء أميركي-تركي عمل في ناسا قبل أن يُعتقل في السنة نفسها أيضاً. وسبق للبلدين أن دخلا في أزمة تأشيرات متبادلة أواخر تشرين الأوّل الماضي، بعدما اعتقلت أنقرة ثلاثة موظّفين أتراك ضمن بعثات قنصليّة أميركيّة. عقب هذه التطوّرات، أصدرت دول غربيّة عدّة وعلى رأسها الولايات المتّحدة تحذيرات إلى مواطنيها بعدم السفر إلى تركيا، من دون أن يترافق ذلك مع ضغط ديبلوماسيّ أو اقتصاديّ عليها.

تفاؤل ما بعد الانتخابات التركيّة

خلال قمّة حلف شمال الأطلسي التي استضافتها #بروكسيل في 11 و 12 تمّوز الحاليّ، التقى الرئيس الأميركي دونالد #ترامب بالرئيس التركيّ رجب طيّب #أردوغان على هامش الاجتماعات الرسميّة حيث وصف الأوّل نظيره التركيّ بأنّه "يفعل الأمور بالطريقة الصحيحة". وذكر عدد من وسائل الإعلام الأميركيّة لاحقاً، من بينها "واشنطن بوست" أنّ الجانبين توصّلا إلى اتّفاق في ذلك الاجتماع حول إطلاق سراح برانسون مقابل طلب ترامب من الإسرائيليّين إطلاق سراح المواطنة التركيّة إبرو أوزكان التي اتّهمها الإسرائيليّون بتحويل الأموال والبضائع إلى حركة "حماس".

ربّما احتفظ الأميركيّون بشيء من التفاؤل الضمنيّ منذ ما قبل انعقاد قمّة بروكسيل. ففي 30 حزيران، وبعد أقلّ من أسبوع على فوز أردوغان بالانتخابات الرئاسيّة، زار السيناتوران الجمهوريّ ليندسي غراهام و الديموقراطيّة جين شاهين الرئيس التركيّ حيث غرّد الأوّل على "تويتر" كاتباً: "(أجرينا) اجتماعاً جيّداً جدّاً، محترماً وصريحاً مع الرئيس أردوغان. لدينا اختلافات حقيقيّة، لكن نقاط مشتركة أكثر بكثير". غراهام الذي أكّد أنّ "الفشل ليس خياراً" في ما يخصّ العلاقات الثنائيّة، فتح مع شاهين مسألة احتجاز القسّيس الأميركيّ. لكنّ قرار المحكمة بتأجيل محاكمة برانسون حتى تشرين الأول ثمّ إعلانها وضع برانسون قيد الإقامة الجبريّة أعاد خلط الأوراق والمواقف الأميركيّة.

تسلسل زمني

يوم الخميس الماضي، هدّد الرئيس الأميركي بفرض "عقوبات كبيرة" على تركيا إذا لم تطلق سراح برانسون "المسيحي العظيم"، "فوراً". وتباحث وزير الخارجيّة الأميركيّ مايك #بومبيو مع نظيره التركيّ مولود جاويش #أوغلو في هذا الملفّ بعد إطلاق ترامب تهديده، فيما طلب الناطق باسم الرئاسة التركيّة ابرهيم قالين الإدارة الأميركيّة النظر "بعين الجدّيّة لمخاوف تركيا الأمنيّة".


القسيس الأميركي أندرو برانسون - "أ ف ب"


إلى جانب "الواشنطن بوست"، كانت شبكة "سي أن أن" قد نقلت عن مسؤول أميركيّ الأسبوع الماضي، قوله إنّ الرئيسين توصّلا إلى اتّفاق يتمّ بموجبه إطلاق إسرائيل أوزكان مقابل إطلاق سراح القسّيس الأميركيّ. وتمّ ترحيل أوزكان في 15 تمّوز الماضي، بينما قال مسؤول إسرائيليّ لوكالة "رويترز" إنّ بوسعه "تأكيد حصول مثل هذا الطلب من الرئيس ترامب". لكنّ الرئيس التركيّ أنكر يوم أمس الأحد وجود صفقة كهذه.


إبرو أوزكان (يسار) - "أ ف ب"


تمّ ترحيل أوزكان بعد يوم واحد على اتّصال ترامب بنتنياهو في 14 تمّوز أي بعد يومين على انتهاء القمّة، بحسب "سي أن أن". وفي 18 تمّوز، رفضت المحكمة التركيّة إطلاق سراحه، وهو اليوم نفسه الذي رفعت فيه تركيا حال الطوارئ. بعد أسبوع، نقلته المحكمة من سجنه إلى موضع إقامته الجبريّة بسبب سوء وضعه الصحّيّ. لكن يبدو أنّ اللغط الذي وقع فيه بعض الصحافة الأميركيّة أوقع أيضاً بعض الصحافة التركيّة.

افتقاد "الأرضية المنطقيّة"

نشرت "حرييت" التركيّة مقالاً للصحافي مراد يتكين يشرح اللغط الذي رافق المسألة مشيراً إلى ما قاله أردوغان يوم الأحد: "إنّ تغيير الموقف هو مشكلة ترامب. لا نجده أمراً صائباً أن تكون تلك (الملاحظات) التي لم تُنطق قد تمّ عرضها كما لو أنها حصلت. رُفع طلب من خلال وزير خارجيّتنا لإطلاق سراح إبرو أوزكان. أطلِق سراح إبرو من قبل لكنّ جواز سفرها لم يعطَ إليها. أخبرنا الأميركيّين أنّه يمكنهم المساعدة من خلال جعل (الإسرائيليّين) يعيدون جوازها للسفر. لم نقل ‘سنعطيهم برانسون بالمقابل‘. لم يكن هنالك صفقة كهذه".

يتكين انتقد النسخة الأميركيّة من الأخبار التي ربطت إطلاق سراح برانسون بأوزكان لكنّه وجّه انتقاده أيضاً للنسخة التركيّة التي ربطت تبادل برانسون بهاكان أتيلا، المصرفيّ الذي أدين في الولايات المتّحدة بسبب مساعدته إيران على تفادي العقوبات. يرى يتكين أنّ النسختين افتقدتا "الأرضيّة المنطقيّة" التي يمكن بناء التحليل عليها لأنّ قضيّة برانسون أهمّ من المسائل الأخرى، طالما أنّه متّهم بالتعامل مع شبكة فتح الله غولن ومع "حزب العمّال الكردستانيّ": "إنّ مستوى الأهمية المرتبطة بمسألة برانسون من قبل ترامب وأردوغان عالٍ. أعلى بكثير من المساومة المزعومة من قبل الإعلام الأميركي والتركي".

قدّم برانسون فكرة عن السبب الذي قد يدفع أردوغان إلى عدم إقحام القسّيس الأميركيّ في مفاوضاته مع الأميركيّين. لكن بالرغم من ذلك، لا تزال أسئلة أساسيّة تفرض نفسها على هذا المشهد لعلّ أبرزها: هل يُعقل أن يأتي تدخّل ترامب لدى الإسرائيليّين من أجل إطلاق سراح مواطنة تركيّة، بهذا القدر من المجّانيّة؟


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard