رسالة افتراضية من منى المذبوح إلى أمٍّ مصرية: أحبكِ وأحبُّ أرضكِ

27 تموز 2018 | 12:14

المصدر: "النهار"

منى مذبوح.

أمي المصرية! أكتبُ إليكِ من غياهب زنزانةٍ بسجن النساء بالقاهرة، قابعةً فيها منذ أسابيعَ ثقيلة كالنَّدم. رسالتي هذه أبدأها باعتذارٍ صادق عن كلماتٍ نابية، بَدَرت مني في حالٍ من الغضب. اعتَبريها من اللغو الذي لا يؤاخذُ اللهُ به الناس، وإن أفْلح عنه المُعرضون. اعتَبريها من هفوات اللِسان، وقد خانَه "الفايسبوك"، أو سَقطَة إنسانٍ، وقد قسا عليه جَبروت "الشبكة"، في لحظة استَرخى فيها الضمير وتعطَّل العقل. ما صَدَر مني صَيحَة مكلومٍ واستغاثة مَصدوم. كان عُنف عباراتي بقدر شدة خَيبتي حين أبصرت البونَ البائنَ بين مِصر الجبابرة التي روَّضت جلمودَ الصخر، فجعلت منه أهراماتٍ، وبين ثُلة قليلةٍ، من أصحاب الهوى الضعيف، تَحرَّشوا بكائن أضعفَ منهم. أحسستُ بالخِيانة، ومثل أنثى جريحةٍ، صرختُ.   

أمي المصرية! كانَت قسوة كلامي بمقدار شدة ألمي وأنا أتحسس عشقي لمصر يَتَهاوى مع كل حركة سائبة. كان حَنقًا طفوليًا. شاهدت تساقطَ الهالات التي نسجَها خيالي: أين ذاكَ الإلهام الذي فاضَ على ضفاف النِيل، وظل يروي سؤالَ الأدباء ومَلاحم الأبطال وأهازيج المزارعين، يقهرون عاتيات الزمن.

أمي المصرية! آلمني أن لا تنبضَ شوارعُ القاهرة بسَوْرة الحياة، بضجيجها، ذلك الذي ألهم كِبارَ الكتاب والمثقفين. كيف صار تفاهاتٍ وفراغا مدويا؟ ألم تُهدِ خُصومات الأزقة نجيبَ محفوظ أجملَ ما كَتَبه من روايات؟ ألمْ تُلهم الشعراويَّ تأويلاتِه الروحية، فراح يُخاطب "بخواطره" شَباب "الحسين"، ويَهديهم سُبلَ الرشاد؟ ومن جَلبة أحيائِها وضوضاء شوارعها، ألم تبزغ آهات أم كلثوم صدًى رائعًا، يفيض عليها "أمل حياة" و"ذكرياتٍ"؟ ألم تَتخلق من عَرَق الشَّعب، وهم "فلاحون طيبون"، تجاويف "الأرض" للشرقاوي، هويةَ بَلدٍ عميقة؟ ومن شُققها المكتظة ألم تَهِم الأسئلة على وجوهها؟ ألم تُعزَف في أراضيها وتِرَعها سنفونية الشهامة، وإن ندَّ، هنا وهناك، نشاز ذَوي الصغار؟ نعم. كانت ضراوة كلماتي بمقدار وَجعي حينَ لم أعانق، في قاهِرة الجمال، آفاقَ الجَمال، مَنَعَني منه الحنقُ وقلة الصبر. القاهرة، شامةٌ في جبين افريقيا، لا يعانقها إلا ذَوو المجالَدَة، وقد خانَتني. وليتَني صبرتُ حتى أقرأَ.

أمي المصرية! لن أبَرِّرَ خطئي فهو فظيعٌ. ولئن ساءني بطءُ نادلِ أو تكاسلُ سائق، فالعيب في"أم الدنيا" التي عوَّدَتْني الإسراع في صنع المعجزات. ألم تكن هي التي بادرت بإنشاء أقدم مَدنية؟ أليست هي التي علَّمت البشرية كيف تُجاري النهر ولا تغرق فيه؟ الخطأُ فيما حَملتُه عنها من مواقف "الكَرم في صحراء العدم". وما فتئ أهلكِ يغنون ألحانَ خلودٍ وأنغامَ أصالةٍ: صاغها عَميد الأدب في "أيامه"، ونقلها قلمُ العقاد في "عبقرياته"، وارتفع بها الحكيم في "مَسرحه الذهني"، ولا تزال قوافل المبدعين، ومنهم علاء حين يجاور "عِمارَته"، فيصوغ من طوابقها، في شارع القاهرة، ذوبَ أدَبٍ وسَرحَةَ خيالٍ.

أمي المصرية! لم أستنفذ بعدُ ما في بلدك الخصيب من غَناء الثقافة وأرَجِ الفنون. خلال زياراتي، كان لي في كل لحظة موعدٌ مع الطبيعة وأسرارها، مع الكلمة وأغوارها: شوارعك شعرٌ، وتاريخُكِ إيقاعٌ، وجلبة الناس في دروبك بَيانٌ. كلما وطِئت قدماي ترابكِ الغالي، اكتشف قَصَصًا أصيلاً من كفاح البشرية، حين كانت على نِيلكِ، من قَبْل موسى، تساءلُ الغيبَ وتقارع الزمنَ وامتداده.

أمي المصرية! تذكري أنَّ لي أمًّا لبنانيةً تحترق ألمًا، لأني فرَّطتُ في سوانِح العِلم وكنوز العرفان. تَوَدُّني أن أطالعَ كتبَ أدباء البلد، وأقلام الصحافة، من هيكلَ إلى "نيوتن". كم تشتهي أن أستذكرَ ما صاغه أسلافي، الذين وفَدوا من بلاد الشام، يشيِّدون، مع أقرانهم المصريين، صرحَ نَهضة وهَرَمَ حضارة. تنتظر مني أن أقرأ كيف رسمت ريشة "المشارقة" لوحات الإخاء، يَنصهر فيها الكَدح والجَسد والبيان. زيدان ومطران ومَيْ زيادة... من لبنان جاؤوا يَحملون لوعة الضاد. لا بد أن أقرأها. بعدَها لن تكون هفوات لساني الماضية سوى لغوٍ عابر، زبدٍ فاترٍ في محيط الحياة. عساكِ تَصفحي عني، فأنا أحبكِ، وأحبُّ أرضكِ. 

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard