"بيروت": فيلم أغضبت دعايته اللبنانيين ولم يكلفوا أنفسهم مشاهدته عندما بدأ عرضه!

23 تموز 2018 | 17:43

المصدر: "النهار"

جون هام في "بيروت".

في مطلع العام الحالي، ظهر إعلان ترويجي لفيلم أميركي عنوانه "بيروت" على مواقع التواصل الاجتماعي. 

الفيلم من إخراج براد أندرسون، صاحب تجارب عدة في #السينما والتلفزيون، ألّف له السيناريو توني غيلروي الذي سبق ان تولى كتابة مغامرات العميل السري جايسن بورن، كما أخرج "مايكل كلايتون"(٢٠٠٧) من بطولة جورج كلوني.

هذا الاعلان (دقيقتان ونصف دقيقة) أثار حفيظة الوطنيين اللبنانيين. رأوا فيه إعادة إنتاج لكليشيهات عن لبنان والحرب. آلاف علّقوا عليه فعبّروا عن غضبهم وقرفهم ورفضهم. استنكروا وتوعّدوا ودعوا إلى المنع. بعضهم قال ان "الفيلم لا يمثّل لبنان" (باعتبار ان الأفلام تمثّل بلداناً وشعوباً!) وغيرها من الاتهامات استُهدِف بها عملٌ لم تُشاهَد منه الا دقائق، اذ لم يكن متوافراً بعد في تلك اللحظة. بعض الجهات بدأت تجمع تواقيع لعريضة تطالب بمنع الفيلم الذي "يشكّل تهديداً للتراث اللبناني وثقافته وعرقه" (أي تراث هذا يهدده فيلم؟). ودعت العريضة إلى نشر هاشتاغ "بان بيروت" ونادت بـ"الحظر الكامل للفيلم على أساس التشهير الثقافي"، وجمعت مؤيدين لبنانيين من دول الاغتراب بعد ساعات على اطلاقها. كثرٌ من هؤلاء المؤيدين يعيشون للأسف في دول العالم الأول، حيث منع الأعمال الفنية صار ذكرى من الماضي.

في تقرير نشرته "النهار" يومذاك، قالت فتاة تدعى سهام، وهي مواطنة تقطن تكساس: "اذا كنت ترغب في تمثيل لبنان، فمثّله بالطريقة الصحيحة". وقالت سيلين من لبنان، وهي طالبة تدرس علوم الحياة في الجامعة الأميركية في بيروت، ان "شيئاً واحداً يمكن ان أقوله عن هذا الفليم، انه "مثير للاشمئزاز".

المآخذ الأخرى على الفيلم كانت أكثر عبثية: الاعتراض على التصوير في المغرب وعدم الاستعانة بممثلين لبنانيين، علماً ان لا وجود لشخصيات لبنانية فيه الا في أدوار ثانوية جداً. أما بالنسبة إلى التصوير في لبنان، فتغيرت ملامحه منذ نهاية الحرب، ولا يمكن الافادة منه.

خرج الفيلم إلى الصالات اللبنانية يوم الخميس الماضي ولم يجمع سوى ألف شخص تقريباً. لم يهتم به أيٌّ من الغاضبين والمستنكرين والداعين إلى المنع، أقله ليتأكد من رأي مسبق كوَّنه من مشاهدة إعلان فيلم وليس فيلماً. ما مِن جريدة محلية شاهدت الفيلم. ما من أحد حمله فضوله إلى المعاينة والولوج في التفاصيل. اكتفت الحشود بالاعلان وبما أطلقه بعض السخفاء على مواقع التواصل لمخاطبة الغرائز ولفت الانتباه. اكتفى هؤلاء بإطلاق رأي مسبق وجعله نهائياً. انتهى النقاش.

هذه هي العدوى الاجتماعية الأكثر انتشاراً اليوم بين البشر، مدعومة من وسائط التواصل التي تشجّع على تبني آراء وأفكار والتحمس السريع لها، ثم ينتقل الناس إلى شؤون أخرى يرونها أكثر أساسية. الأشياء تأكل بعضها بعضاً. الأحدث يلغي ما سبقه. نكوّن الآراء عن الأشياء بالاستعانة. السرعة التي يفرضها الزمن وزحمة القضايا تحولان دون المتابعة الجدية. قضية اليوم تصبح بسرعة أشبه بالبيتزا التي اشتريناها أمس وبقيت شرائح منها في البراد في انتظار ان تُرمى في القمامة.

فضيحة فيلم "بيروت" أشبه بأن تقع جريمة يستنكرها الجميع، وعندما يتم القبض على الجاني لا يوجد مَن ينقل الخبر.

يتبدى جلياً ان الاعتراض العلني بات هدفاً في ذاته لإثبات الحضور في الفضاء العام. والنقد في هذا كله؟ هذا النقد الذي كان من وظائفه التصويب والشرح والتحليل بعيداً من العصبيات الهوياتية والمزايدات الكاريكاتورية، ما عاد له دور. الدليل: أيام مرت على عرض الفيلم ولم يناقشه أحد.

يبدأ "بيروت" بلقطات أرشيف لمكان "يعيش فيه مسلمون ومسيحيون ويهود"، حسب ما يروي مايسن سكايلز (جون هام)، الديبلوماسي الأميركي الذي يعيش في بيروت مع زوجته ناديا (ليلى بختي). المواد السياحية تلك تضعنا في أجواء العاصمة قبل ٣ سنوات من اندلاع الحرب، أي في العام ١٩٧٢. صحيح ان الحرب لم تكن قد انطلقت بعد، لكن الأجواء مشحونة بالتوتر. بالكلمات الآتية، يشرح مايسن حكاية لبنان لعضوٍ في الكونغرس يزوره في مقره: “اذا كنت تود ان تفهم لبنان، فكِّر في سكن من دون مالك. الشيء المشترك بين المستأجرين هو موهبتهم في الخيانة. ألفا عام من الانتقام وسفك الدماء. وفي ليلة عاصفة جاء الفلسطينيون، وأحدث وصولهم جدلاً بين أهل البيت (…). ولكن بعد دخولهم انتبه اللبنانيون لتراجيديا الوضع: فهؤلاء الفلسطينيون لا يريدون سوى احراق المنزل المجاور، أي إسرائيل".

مايسن متخرج في أوكسفورد قسم اللغة العربية ودراسات الشرق الأوسط. جاء إلى بيروت للمرة الأولى في العام ١٩٦٢ في زمالة دراسية. بدايةً، جنّدته الخارجية الأميركية وارسلته إلى القاهرة ثم دمشق وتل أبيب فبيروت. عمل وكيل مساعد في شؤون الشرق الأوسط. شركة كيسنجر انبهرت به، كما يقول أحدهم. شارك في محادثات باريس. في بيروت، تم تعيينه نائب رئيس البعثة، الخ.

مع معطيات كهذه، يختار الفيلم معسكره ويستهدف مَن يريد مخاطبتهم: جمهور دولي ليس لبنان أو حربه من اهتماماته ولا يعرف عنهما الكثير.

مايسن، المناصر للعرب، على وشك ان يتبنى صبياً فلسطينياً اسمه كريم يعمل لديه. كريم يدّعي انه يتيم، ولكن مع الدقائق العشر التي تستغرقها الافتتاحية الباهرة، نعلم عنه أشياء جديدة، منها ان شقيقه شارك في عملية ميونيخ الشهيرة (١٩٧٢). تتسارع الأحداث بوتيرة جهنمية خلال الافتتاحية لتتشابك ثلاث لحظات مهمة: اكتشاف مايسن لحقيقة كريم، وصول الأميركيين لتحذيره منه، وهجوم الأخ الإرهابي. هذا كله يحدث في الدقائق العشر الأولى، على فترات غير متباعدة زمنياً. الافتتاحية بديعة من وجهة نظر إيقاعية، لكنها تتشكو من عدم تماسك كتابي. فالتوقيت بين ٣ أشياء يجعل الفيلم "مثقلاً"يصعب هضمه. أصلاً، هذا كله يصعب تصديقه!

يتركنا الفيلم لنعود بعد عشر سنين بعد أن يكون قد طرأ تغيير كبير على حياة مايسن الذي فقد زوجته في الهجوم على بيته. ترك الديبلوماسية ليعمل في مجال الدفاع عن حقوق العمّال. الا ان الماضي يلاحقه، فيتم استدعاؤه إلى بيروت مجدداً بطلب من وكالة الاستخبارات الأميركية، عشيّة الاجتياح الإسرائيلي للبنان، لعملية تحرير رهينة.

طوال الفيلم، مايسن هو "البطل الأميركي الذي يقوم بالأشياء غصباً عنه"، وهذا يجعله كاريزماتياً. لكن "بيروت" فيلم مغامرة ومفارقات من زمن كان الجواسيس والميليشيات يسرحون ويمرحون على أرضنا، وتالياً لا يمكن أخذ خطابه على محمل الجد، وإن كان موضوعياً (الأميركيون، هؤلاء المؤامرتيون الأبديون ومسؤوليتهم في بثّ الفوضى في المنطقة منذ ريغن حتى ترامب). ولو لم يحمل اسم مدينة بيروت اختزالاً، لما اكترث به أحد. هذا واحد من مئات النصوص الركيكة التي كتبها الأميركيون على مر تاريخهم استناداً إلى تصورات عن العالم العربي، وهي تصورات تتراوح بين شيء من الحقيقة (يعرف غيلروي مثلاً مدى شعبية فيلم "حب بلا نهاية" لفرنكو زيفيريللي) وأشياء مصدرها الفانتازيا الاستشراقية، وليست الموسيقى التافهة أقل تجلياتها. فبيروت التي لا نراها الا قليلاً في الفيلم، فيها ضوء طنجة ونسيجها البصري (حيت تم التصوير) أكثر منه لبنان.

فور وصول مايسن إلى المطار، بعد غياب عشر سنين، نسمع الآذان ونرى دبابات… دخان شواء، راهبا وراهبة، خليجيا يحمل حقيبة، عسكريين يهددان امرأة مبرقعة بالسلاح. ابل يتجول على شاطئ بيروت… الادارة الفنية ضعيفة في هذا المجال. ثم، بعض الأشياء تبدو كأنها كُتبت بمنطق الحاضر وحساسيته، أي ما بعد ١١ أيلول، كتسمية الخاطفين "ميليشيا التحرير الإسلامي"، علماً ان السيناريو مكتوب منذ التسعينات. بيروت بين ١٩٧٥ و١٩٩٠ كانت أبشع من هذا الذي يرينا إياه الفيلم: عنف وحقد ودم، لكنها لم تكن هكذا. الا اننا، مجدداً، نحن أمام عمل لا يدّعي معالجة حرب لبنان، ولا يستعرض رصيداً سياسياً، انما يميل أكثر إلى إبتكار لحظات تشويق، قبل ان يجد نفسه في حقل ألغام فلا يعرف أين يذهب.

بيروت التي "لا تعرف حقيقة واحدة فتتبدل بحسب مَن يسأل فيها عن الوقائع"، تغيرت طوال الأعوام العشرة التي غاب مايسن عنها، لكنها لن تكون سوى خلفية، ديكور، مسرح، لا أكثر، لحكاية ميلودرامية مطعّمة بجيوسياسة تتراوح بين مغامرات تانتان وروايات جون لو كاريه. يهتم المخرج براد أندرسون بالتجربة الانفعالية، محاولاً عدم الانحياز، لينتهي بفيلم مساوم لا يقول شيئاً. "المسلمون من جهة والمسيحيون من جهة أخرى وجاك دانيالز بينهما"، يقول مايسن في مطلع الفيلم قبل ان يتورط في قضية استعادة رهينة أميركي، وفي هذه الدعابة يكمن مستوى نظر توني غيلروي إلى الصراع بين ثلاثة أطراف: لبنان وفلسطين وإسرائيل. وجهة نظر لا تخلو من الخفّة والكاريكاتورية، فالصراع هنا ليس سوى حجّة لنسج حكاية تحفر فيبيئة حيث لا يمكن الوثوق بأحد. لكن الأكيد هو ان توني غيلروي وبراد أندرسون ليسا ستيفن سبيلبرغ ولا يمتلكان ذكاء صاحب "ميونيخ" في اعطاء كلّ صاحب حقّ حقه، وخصوصاً في المساحة التي يعطيانها للأخوين الفلسطينيين.

خيار التصوير الداخلي خيارٌ جماليٌ أكثر منه عملياً لتفادي إعادة التجسيد. فالنوادي الليلية والسفارات وبهو الفنادق كانت من الأماكن التي تُعقد فيها الصفقات والمؤامرات في هاتيك الأيام. السبب الآخر هو ان الفيلم يميل إلى الأجواء القاتمة، اللون البارد، المناخ الضاغط. الكاميرا المحمولة على الكتف تلتقط الوجوه بالـ"كونتروجور"، لخلق هذا الجوّ من التوتر الذي كان حاضراً في "مايكل كلايتون".

يُختتم الفيلم على مَشاهد أرشيف من الاجتياح الإسرائيلي (١٩٨٢). فجأةً، نكتشف ما كنّا نبحث عنه: الاحساس بالمكان والزمان والبشر،الذي يغيب عن الفيلم كلياً. لكن، يُحسب لـ"بيروت" تأكيده ان لبنان كان (ولا يزال) ساحة ليس للبنانيين فيها دور البطولة.  

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard