هل تطيح قمّة هلسنكي المصالح التركيّة في سوريا؟

22 تموز 2018 | 17:16

المصدر: "النهار"

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان - "أ ف ب"

يرى مراقبون أنّ اتفاقاً محتملاً في #هلسنكي بين الرئيسين دونالد #ترامب وفلاديمير #بوتين قد يأتي على حساب مصالح السياسة الخارجيّة لأنقرة في شمال #سوريا. في أواخر أيّار الماضي، تحدّث الرئيس السوريّ بشّار #الأسد عن استعادة المناطق التي تسيطر عليها قوّات سوريا الديموقراطيّة "قسد" بالقوّة إذا فشل التفاوض معها. وتزامن فتح هذا الملفّ مع المفاوضات التي كان الأتراك والأميركيّون يجرونها حول مصير #منبج.

في ذلك الوقت، بدا أنّ هنالك تقاطع مصالح مبدئيّاً بين #أنقرة و #موسكو و #دمشق لتحجيم النفوذ الكرديّ في شمال سوريا. فالأتراك ينظرون إلى هذا الوجود على أنّه تهديد مباشر لأمنهم، فيما يسعى الروس إلى تعزيز سيطرة دمشق على البلاد من جهة وتقويض النفوذ الأميركي شرق الفرات من جهة أخرى.


بين عفرين ومنبج ودرعا

بعد تحذيرات أميركيّة متكرّرة، سيطر الجيش السوريّ على أكثر من 90% من محافظة درعا وتوجّه غرباً لفرض سيطرته على القنيطرة. ومن خلال عدم التزام واشنطن بتنفيذ تحذيراتها من الهجوم العسكريّ على المحافظتين، أمكن للروس الاستثمار في هامش واسع من الضغوط الإضافيّة على "قسد" لدفعها إلى القبول بدخول القوّات السوريّة إلى مناطقها. وبحسب بعض ما برز في مرحلة المفاوضات التي سبقت وترافقت مع سير عمليّة غصن الزيتون في عفرين، قد لا يمانع الأتراك عمليّاً عودة هذه المناطق إلى سلطة دمشق. في 19 شباط الماضي، قال وزير الخارجيّة التركيّ مولود جاويش #أوغلو إنّ بلاده لن تواجه مشكلة لو دخلت القوّات السوريّة عفرين من أجل إنهاء وجود الوحدات في المنطقة لكن "إذا كان النظام داخلاً لحماية وحدات حماية الشعب، فعندها لا يستطيع أحد إيقافنا، إيقاف تركيا أو الجنود الأتراك".

وبعد يومين، دعا وزير الخارجيّة الروسي سيرغي #لافروف إلى "حوار مباشر" بين هاتين العاصمتين لحلّ الأزمة في عفرين. حينها، رفض الناطق باسم الرئاسة التركيّة ابرهيم قالين هذه الفكرة لكنّه مع ذلك، لم ينفِ احتمال حصول اتّصال الحدّ الأدنى بين الطرفين: "حين تمليه ظروف استثنائيّة، يمكن أن تحصل وكالة استخباراتنا على اتصال مباشر أو غير مباشر مع (الاستخبارات السوريّة) لحلّ مشاكل معيّنة على الميدان".

تصريح لافت لأردوغان

في 10 نيسان الماضي، وبعدما دعا لافروف المسؤولين الأتراك إلى تسليم عفرين إلى الحكومة السوريّة، ردّ أردوغان بقوّة على هذا الكلام قائلاً: "نعلم جيّداً الجهة التي سنسلّمها عفرين. سنعيدها إلى سكّانها عندما يحين الوقت، لكنّنا نحن من يحدّد التوقيت وليس السيّد لافروف". حدّة الموقف التركيّ تجاه الروس لم تمنع الأكراد من فهم أنّ الخلاف بين الطرفين يتمحور حول القضايا التفصيليّة لا الأساسيّة في شمال سوريا. إنّ الضوء الأخضر الروسيّ لتسليم عفرين إلى أنقرة وتسارع المفاوضات الأميركيّة التركيّة حول منبج ضيّق الخناق أكثر على الأكراد، ممّا دفعهم إلى الحوار مع دمشق بوساطة من "الجبهة السوريّة الديموقراطيّة" أوائل حزيران الماضي.

من الذي يحتاج أكثر للآخر؟

في 28 حزيران، نقل الكاتب السياسيّ في صحيفة "ذا واشنطن بوست" دايفد إغناسيوس عن مجموعة من الخبراء الأميركيّين والأوروبّيّين والإسرائيليّين إشارتهم إلى عناصر محتملة لإطار العمل بين الروس والأميركيّين في المرحلة المقبلة. من بين هذه العناصر التي يمكن أن يكون الطرفان قد اتّفقا عليها في هلسنكي، تمدّد سيطرة روسيا ونظام الأسد إلى شمال شرق سوريا. وأضاف أنّ القادة الأميركيّين يأملون بإمكانية بقاء قوّاتهم لحوالي 18 شهراً، لكنّ ترامب أوضح عدم تمتّعه بصبر كافٍ في هذه المهمّة.

خلال حديث إلى موقع "ألمونيتور"، قال إيلتر طوران، بروفسور في كلّيّة العلاقات الدوليّة في جامعة بيلجي-اسطنبول، إنّه "إذا توصّلت الدولتان العظميان إلى ترتيب معيّن، فمن غير المرجّح أنّهما ستكونان حسّاستين جدّاً حول ما لدى دول أخرى أن تقوله عن ذلك". بالمقابل، أشار للموقع نفسه ديبلوماسيّ غربيّ رفض الكشف عن اسمه إلى أنّ كره أردوغان للغرب عزّز نفوذ روسيا في علاقتها مع تركيا، مضيفاً أنّ "أردوغان قد يحتاج بوتين أكثر من العكس، خصوصاً الآن مع تحقيق بوتين صداقته العظيمة مع ترامب".

كان لافتاً أيضاً، كيف نشرت وكالة "أناضول" التركيّة مقال رأي للكاتب حسين عبد الحسين ينتقد ترامب لأنّه تمكّن للمرة الأولى منذ تولّيه الرئاسة "من توحيد الجمهوريّين والديموقراطيّين ضدّه" في هلسنكي، مشيراً إلى "تأكيد انطباع بأنّ ترامب كان في جيب بوتين". وذكر أيضاً أنّ تركيز ترامب على سحب قوّاته من سوريا هو مطلب للمسؤولين الروس في الأساس.

هل تتوضّح الأمور قبل قمّة أستانا؟

بالرغم من أنّ هلسنكي قد تثير الريبة في نفوس المسؤولين الأتراك، قد لا يكون كلّ اتّفاق أميركيّ روسيّ ضارّاً حكماً بالمصالح التركيّة. فعودة الجيش السوريّ إلى مناطق نفوذ "قسد" – إن حصلت – لن تكون خبراً سلبيّاً بالمطلق لأنقرة. إذا لم ترغب واشنطن بدخول الجيش التركيّ إلى #منبج في نهاية المطاف، فعندها يُحتمل أن تكون سيطرة دمشق عليها حلّاً بديلاً مقبولاً لدى تركيا. لكنّ مخاوف أنقرة قد تتمحور حول طبيعة العلاقة بين العاصمة السوريّة والمناطق الكرديّة في شمال شرق سوريا. إذا احتفظ هؤلاء بسلطة محلّيّة واسعة ضمن إطار فيديراليّ كما يطالبون، فعندها قد تكون تركيا أمام مشكلة سياسيّة إزاء تطوّر كهذا، خصوصاً أنّ النظام الفيديراليّ يقرّ للمجموعات المحلّيّة حقّ فرض أمنها الداخليّ الخاص. لكن بالمقابل، قد لا تكون دمشق نفسها متحمّسة لمشهد سياسيّ مشابه.

تبقى مشاكل أخرى عالقة بين تركيا وروسيا مثل مصير إدلب وعفرين يمكن أن يعالجاها خلال اجتماع #أستانا المقبل أواخر الشهر الحاليّ. ربّما يحصل ذلك على ضوء المزيد من المؤشّرات عن اجتماع هلسينكي والتي يمكن أن تبرزها تطوّرات سياسيّة وميدانيّة مقبلة.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard