حرب فخاخ بين بوتين ومولر ... وقع فيها ترامب؟

18 تموز 2018 | 16:54

المصدر: "النهار"

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين ودونالد ترامب خلال مؤتمرهما الصحافيّ في هلسينكي، 16 تمّوز 2018 - "أ ب"

قبل ثلاثة أيّام على انعقاد قمّة #هلسينكي، أصدر مكتب المحقّق الخاص روبرت مولر لائحة اتهام بحق 12 ضابطاً في الاستخبارات العسكريّة الخارجيّة الروسيّة بشأن اختراق خوادم اللجنة الوطنيّة للحزب الديموقراطيّ. الإجابة على التساؤلات المرتبطة بهذا التوقيت قد تكمن في مسيرة مولر المهنيّة نفسها. سبق للمحقّق الخاص أن تولّى إدارة مكتب التحقيقات الفيديراليّ "أف بي آي"، من سنة 2001 وحتى 2013. وبذلك، كانت رئاسة مولر للمكتب هي الأطول منذ عهد مؤسّسه جون هوفر الذي قضى في رئاسته حوالي 37 عاماً.

يضاف إلى ذلك أنّ مولر كان ضابطاً في مشاة البحريّة (المارينز) وشارك في حرب فيتنام التي تعرّض فيها للإصابة فنال ميداليّة النجمة البرونزيّة وميداليّة القلب البنفسجي. وخلال مسيرته كمساعد لوزير العدل دك ثورنبورغ، أشرف مولر على العديد من التحقيقات المهمّة من بينها قضيّة لوكربي. مع جمع هذه الخبرات القضائيّة والقتاليّة والاستخباريّة، يصعب أن يكون إصدار مولر للائحة الاتّهام في هذا التوقيت مجرّد مصادفة. ويمكن أن تكون قد حملت رسالة سياسيّة إلى الرئيسين دونالد #ترامب وفلاديمير #بوتين تذكّرهما بعدم إمكانية تهميش قضيّة التدخّل الروسيّ في انتخابات 2016.

أجوبة أم تهرّب من الأسئلة؟

قبل التوجّه إلى هلسينكي أبدى ترامب غضبه من تحقيقات مولر معتبراً في تغريدة أنّها جزء من أسباب تدهور العلاقة بين واشنطن وموسكو إضافة إلى "غباء" و "حماقة" الولايات المتّحدة. وكرّر الأمر نفسه خلال المؤتمر الصحافيّ المشترك، مشيراً إلى أنّ "التحقيق هو كارثة على بلدنا". وأكّد بوتين أنّ بلاده لم ولن تتدخّل في الانتخابات الأميركيّة، وإذا برزت أي مسألة حول هذا الموضوع ف "نحن مستعدّون للتحليل معاً".


بوتين وترامب في هلسينكي - "أ ب"


حين سئل ترامب عن سبب تصديق نفي بوتين على حساب التحقيقات الأميركيّة وعمّا إذا كان يفكّر في مطالبة روسيا بتسليم الضبّاط الاثني عشر، حوّل الرئيس الأميركيّ القسم الثاني من السؤال لنظيره الروسيّ. بينما تفادى الإجابة على القسم الأوّل، عبر الحديث عن عدم وجود تواطؤ والقول إنّه فاز عبر المجمع الانتخابي الذي يصبّ في صالح الديموقراطيّين بحسب رأيه. وأجاب بوتين على السؤال المحوّل إليه من خلال الحديث عن ضرورة البحث عن "وقائع" وطالما أنّ هذا غير متوفّر يصبح الموضوع "هراء مطلقاً". أمّا عن قضيّة الضبّاط الاثني عشر، فقال: "لا أعرف النطاق الكامل للوضع، لكنّ الرئيس ترامب ذكر المسألة وسأنظر فيها".

ملاحظات

هنا، تستدعي مسألة التحقيق في التدخّل الروسيّ بالانتخابات الأميركيّة الإشارة إلى شقّين على الأقلّ. يتعلّق الأوّل باحتمال وجود تواطؤ بين حملة ترامب الانتخابيّة والمسؤولين الروس، بينما يرتبط الثاني بقرصنة الأمنيّين الروس لخوادم اللجنة الوطنيّة للحزب الديموقراطيّ. استغرب كثير من المحلّلين عدم قدرة ترامب على الفصل بين المسألتين وبالتالي عدم القدرة على إدراك أنّ "التواطؤ" و "الهجوم السيبيري" أمران مختلفان. وهذا ما نقله على سبيل المثال، جوناثان سوان ومايك ألان في موقع "أكسيوس" عن لسان عدد من المسؤولين في الإدارة.

إلى جانب ذلك، هنالك ملاحظات أخرى تستوقف المتابعين. لماذا حوّل ترامب الإجابة عن الجزء المرتبط بتسليم الضبّاط الاثني عشر إلى بوتين؟ ويصبح التساؤل أكثر إلحاحاً مع تأكيد بوتين أنّ ترامب ذكر هذا الموضوع في الاجتماع المغلق معه. إنّ ذكر ترامب لنتيجة تحقيقات مكتب مولر تحديداً هو جزئيّة أساسيّة في هلسينكي. وهنا تكمن الملاحظة الثانية في أنّ بوتين لم يتطرّ إلى مسألة المتّهمين الروس خلال افتتاحه المؤتمر الصحافيّ وإنّما بعد توجيه السؤال له من قبل أحد الصحافيّين.

ماذا اقترح بوتين؟

في جميع الأحوال، قال بوتين إنّ هنالك معاهدة بين واشنطن وموسكو تعود إلى سنة 1999 حول المساعدة المتبادلة في المسائل الجرميّة. واقترح الرئيس الروسيّ على مولر الاستناد إلى هذه المعاهدة من أجل إرسال طلب رسميّ إلى روسيا كي تستجوب هؤلاء الأفراد ثمّ تعيد المواد المناسبة إلى الولايات المتّحدة. واقترح ما سمّاه "ملاقاة في منتصف الطريق" حيث تسمح روسيا لأعضاء من اللجنة التي يرأسها مولر بالذهاب إلى روسيا كي يكونوا حاضرين في هذا الاستجواب. لكنّه بالمقابل طلب من واشنطن المعاملة بالمثل والسماح لمسؤولين روس بحضور التحقيقات الأميركيّة حول أشخاص لهم علاقة بأفعال غير مشروعة حصلت داخل الأراضي الروسيّة.

فخّ مولر في مقابل فخّ بوتين

أظهرت القمّة أنّ طيف مولر كان حاضراً فيها بقوّة. وكان الصحافيّ المستقل بيل بالمر قد كتب بعد صدور الاتّهام أنّ "التغطية الإعلاميّة للقمّة ستكون كلّها حول واقع أنّ روسيا زوّرت الانتخابات لصالح ترامب وبالتالي هكذا سيدرك الجمهور هذا الأمر أيضاً". وأضاف بالمر الذي يركّز على التحقيقات حول التدخّل الروسيّ في الانتخابات الأميركيّة: "هذا لم يكن مطلقاً ما كان يأمله بوتين. لكنّه مع ذلك، كان بالتحديد ما صوّب عليه مولر".


المحقق الخاص روبرت مولر - "أ ب"


وإذا كان توقيت إعلان مولر فعلاً بمثابة فخّ للرئيس الروسيّ، فإنّ الأخير ردّ عليه بفخّ آخر بحسب بعض المراقبين. سايمون شوستر في مجلّة "تايم" الأميركيّة ذكر أنّ مقترح بوتين هو "محاولة محسوبة لسحب تحقيق مولر إلى ملعب يمكن لبوتين السيطرة عليه". فلو رفض مولر وفريقه الدعوة سيسمحان لبوتين وترامب باتّهامه بالإخفاق في أخذ جميع الأدلّة بالاعتبار. وإن قبل بالمقترح فسيتمكّن بوتين من إبطاء التحقيق وإعادة صياغة خطاب جديد عن مساره إضافة إلى استغلاله لفتح تحقيقات حول أميركيّين يشكّك بهم. ووافقه في الرأي الباحث في الشؤون الجيوسياسيّة ستيفن بلانك في صحيفة "ذا هيل" الأميركيّة حيث رأى أنّ مقترح بوتين هو "حيلة" كي يخرق المجتمع الاستخباريّ الأميركيّ وكي يعرف "ما نعلمه وكيف نعلمه"، في إشارة إلى طريقة عمل والمصادر التي تستند إليها المخابرات الأميركيّة.

أين زلّة ترامب؟

بعكس معظم المحلّلين، وجد ترامب هذا المقترح أنّه "عرض لا يُصدّق". لكن بحسب هؤلاء وتحديداً بحسب ما كتبه في مجلّة "بوليتيكو" البروفسور في الدراسات الاستراتيجيّة في جامعة جون هوبكينز توماس ريد، فوّت الرئيس الأميركيّ فرصة "إحراج" بوتين بنتائج التحقيقات الأخيرة. لقد "أضاع تمريرة مولر اللامعة وحوّلها إلى هدف أميركيّ ذاتيّ".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard