صراع الطبقات والقضية الاشتراكية

16 تموز 2018 | 13:48

يا عمّال العالم اتّحدوا.

شهدت أوروبا ثورة صناعية واسعة النطاق في القرن التاسع عشر، مَكْنَنَت معظم الدول الغربيّة وأعلنت بدء حقبة سباق الإنتاج المستمرة حتى اليوم. على الساحة الاجتماعية، برزت طبقة جديدة من النّاس تُدعى "البروليتاريا" أي الطبقة العاملة. فالثورة الصناعية لم تكمن فقط في تطوير الإنتاج والنقل بل كانت هي الشرارة التي أضرمت النّار في الهرم الاجتماعي وأيقظت روح الثورة عند الطبقات المُستَعبَدة. بفعل هذه التطوّرات، نشأت تيّارات فكريّة وفلسفيّة عدّة في الأوساط السياسيّة تدافع عن حقوق العمّال وتسعى لتغيير واقعهم المذري. 

هذه التيّارات والمنظَمات كلّها تبنّت الإيديولوجيّة الإشتراكيّة التي تدعو الى المساواة بين جميع أفراد المجتمع وإلى إلغاء كلّ تصنيف يعيّر النّاس بمراكز متفاوتة تجعل البعضَ أسيادًا  

والآخرين عبادًا. كان النظام المجتمعي القديم يسمح لأقليّة تحتكرُ السلطة والمال التنعّم بما تنتجه سواعد الأكثريّة العاملة الفقيرة. لذلك كان مصيرُ المرء يُحدَّدُ منذُ ولادتِه، فكان كلُّ مسارِ حياته مرتبطًا بأسلافه، فإن كان ابن ملك يعشْ ملكًا وإن وُلد ابنَ فلّاح لسوء حظّهِ فلا أمل له بالتطوّر. أعدمت هذه القواعد الاجتماعية كل المساعي لتحسين وضع الفرد المعيشي وجعلته عبدًا للوراثة والاستنساخ الاجتماعي. كانت هذه الأعراف المتخلّفة تمثّلُ عبْئًا كبيرًا على صدور الطبقات الوسطى، راسمةً بذلك طريقهم المشؤوم بدون الرجوع الى قدراتهم الشخصيّة.

استقطبت الأفكار الاشتراكيّة الكثير من المثقفين والفلاسفة والاقتصاديين، فبرزت أسماء لامعة مثل برودهون، فلورا تريستان، جايمس كونولي وبالطبع الثنائي الخالد ماركس وإنغلز. لم تكن الرؤية الإشتراكيّة ذاتها عند كل هذه الشخصيات، فمنهم من دعا الى الشيوعيّة ومنهم من فضّل النظريّة الفوضويّة. بالرغم من نقاط الاختلاف بين هذه الشخصيات، فقد جمعتهم قضيّة واحدة، قضيّة الطبقات المغبونة وقضيّة العمّال وكفاحهم في وجه البرجوازيّة. فُتحت عندئذٍ النقابات وكثُرَت التجمّعات ونُظِّمت الإضرابات، فلم يكن الكفاحُ ضدّ الطبقات السلطويّة من أمرٍ سهل. رُصّت الصفوف للمواجهة بين البرجوازيّة ومعها الكنيسة والسلطة، حليفَيها التقليديين

وبين الطبقة العاملة بما عُرف بـ "صراع الطبقات".

انقسمت القارّة العجوز وأضحت روح الاشتراكيّة تنتقل من بلدٍ الى آخر ومن مدينة إلى أخرى داعيةً الناس إلى التحرّر والثورة. في "بيان الحزب الشيوعيّ" الشهير لماركس وأنغلز، دُعي العامل بوضوح لحمل السلاح وأخذ حقوقه بالقوّة، لإيمان ماركس بضرورة تعميد الثورة بالدم لتحقيق غاياتها. كان هذا الانقسام الحادّ وليد حقدٍ صامت عمّقته سنون طويلة من القهر في نفوس الفقراء. شبح العبوديّة لم يكفّ يوماً عن العبث بالأرض، من الاستعباد الامبريالي للهنود الحمر والأفريقيين إلى استعباد ملتّم للعمّال واستغلالهم. كان من الطبيعيّ نشوء حركات اعتراضيّة تُصحّحُ الواقع. لكن اللافت أنَ البرجوازيّة لم تكن دائماً متربّعة على رأس الهرم بل كانت الطبقة الأرستقراطيّة في النظام "الفيودالي" تسبقها وتنظر إليها نظرةً فوقيّة وظالمة أغرقت هذه الاخيرة بالفقر والعوز، فكيف لفئة كافحت وناضلت للوصول إنكار حقوق الآخرين؟ هذا الجشع السلطويّ ليس إلّا طمعاً وأنانيّة وتعطّشًا للثروات الفانية.  

الاشتراكيّة وعلى عكس ما يعتقد كثيرون لم ولن تموت، ستظل حيّة طالما هنالك تفريق

 وظلم في مجتمعاتنا. ستكون منارة الضعفاء وخلاصهم الوحيد. الاشتراكيّة روح تتغذّى من أوجاع المتعَبين لتلد ثورة حقّة تطيح بالمنتفعين وتجّار البشر. كم نحن بحاجة اليوم الى ثورة كهذه تُعطي المظلومين حقوقَهم في بلدٍ لم يعد يعرف طعم الحقّ. كم نحن بحاجة لماركس

وبرودهون جديدين لتقويم منظومتنا المبنيّة على معادلة الأسياد.

يا عمّال لبنان ومواطنيه اتّحدوا! اتّحدوا في وجه الفقر والعوز، اتّحدوا في وجه الفساد والإهدار، اتّحدوا في وجه الطائفيّة، ذريعة الكبار لإبقائكم صغارًا!                                                                            

 المدرسة اللبنانيّة الألمانيّة - جونيه                                                                         

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard