"زحلة كلها عم تبرم" في يومي العرق والتذوق (صور- وفيديو)

15 تموز 2018 | 21:32

المصدر: "النهار"



ليست زحلة مدينة تحترف إعداد المأكولات فحسب، بل هي مدينة تتقن فن المائدة، القائم على جلسات من الالفة والانس حول أطباق المازة المتنوعة، بخاصة مع كأس العرق ليحلو المذاق والمزاج، ولسهولة الهضم ايضا."فمن على ضفاف البردوني خُلِقَت المازة اللبنانية، وصارت السفرة اللبنانية الزحلية سفيرة لبنان في العالم كله"، على ما قال رئيس بلديتها اسعد زغيب، مضيفا "زحلة، هذه المدينة التي عمرها 300 سنة فقط"، تمثل لبنان، منذ العام 2013، في شبكة "اليونسكو" للمدن الخلاقة، عن فئة التذوق. وبالتالي ليس غريبا ان تحتفي المدينة ليومين متتاليين ب "يوم العرق اللبناني"، و"يوم التذوق العالمي" برعاية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وبدعوة مشتركة ما بين وزارة الزراعة وبلدية زحلة- معلقة وتعنايل وجمعية الطاقة الوطنية اللبنانية. وقد جرى الافتتاح، ليل الجمعة الفائت في بارك جوزف طعمه سكاف، بحضور وزير الخارجية جبران باسيل ممثلا راعي الاحتفال وحضور رسمي حاشد، وسط اجواء من الهواء العليل الذي تشتهر به ليالي زحلة، يهب منعشا للقلوب، فاتحا النفس بالروائح الشهية التي يحملها، من نواحي البارك الذي تحول الى مطعم وكركة في الهواء الطلق. 



لاطلاق وزارة الزراعة "يوم العرق"، هدف الا وهو اعادة إنعاش إنتاج العرق الذي هو "من المنتجات اللبنانية التقليدية الاصيلة والتراثية التي يتميز لبنان بصناعتها"، كما جاء في كلمة المدير العام لوزارة الزراعة لويس لحود، موضحا بان إنتاج العرق "تراجع من 25 مليون زجاحة في الثمانيات الى مليوني زجاحة اليوم". أما اسباب هذا التراجع كما عددها فهي: "توجه الشباب الى المشروبات الاخرى، على اعتبار ان العرق مشروب تراثي، والبدائل اكثر حداثة، كمثل الفودكا المطعم بنكهات. التصدير، إرتفاع نسبة الضريبة الجمركية، إرتفاع كلفة الانتاج، وقد ساهم فيها ايضا اقفال الحدود السورية بخاصة في موضوع اليانسون، الذي يستورد من سوريا، وهو مادة اولية في صناعة العرق" مشيرا في هذه النقطة الى قيام تعاون مع بلدية دير الاحمر في زراعة اليانسون، كاحدى الزراعات البديلة في المنطقة".

وبحسب لحود تنتشر صناعة العرق في مختلف المناطق اللبنانية، "وهناك 51 منتجا مسجلا في وزارة الزراعة: حوالي 20 في البقاع، 15 في جبل لبنان, 10 في الشمال و 6 في الجنوب". لافتا الى تعذر احصاء "العرق البيتي" اي المصنع في المنازل، على ان تبدأ مراكز وزارة الزراعة ال 29 المنتشرة في لبنان بمهمة تسجيلها، مشجعا منتجي العرق البيتي على تسجيل منتجهم، ليتمكنوا من تصديره.


وفي موضوع التصدير، قال لحود بان لبنان يصدر سنويا " 20 الى 25 بالمئة من إنتاجه المحلي من العرق . وقد بلغت صادراته من العرق العام 2017 ما نسبته 32% نحو الولايات المتحدة الاميركية، 9% كندا، 10% الامارات العربيةالمتحدة، 19% العراق، 3% فرنسا، 2% لكل من المانيا واوستراليا" واعدا بارتفاع هذه الارقام في ظل "الديبلوماسية الغذائية" التي يتبعها وزير الخارجية جبران باسيل. وقد تحدث الوزير باسيل في كلمته عن هدفين بما يخص تسويق العرق وتصديره الى الخارج " الاسواق العالمية، حيث المستهلك لا يعرفه" وهو كان قد لفت الى انه "اذا كان يوجد منتجات تشبه العرق، الا ان العرق اللبناني له ميزته". والهدف الثاني هو "الانتشار اللبناني، فاللبناني في الخارج يمكنه ان يشرب نبيذ غير لبناني، ولكن العرق يجب ان يكون لبنانيا ليستلذ به". وتوجه لمنتحي العرق ان 70 بعثة ديبلوماسبة لبنانية في الخارج، 150 قنصلا فخريا و 20 ملحقا اقتصاديا يمكنهم ان يكونوا "salesmen" للعرق اللبناني. اما محليا فقد حض باسيل على إنشاء "بيت العرق" لتكون بيوت ضيافة، تستقبل الزوار للاطلاع على صناعة لعرق، وحوله تقام المائدة "وهكذا نعيد هذا المنتج ليكون جزءا من تقافتنا، من عاداتنا ومن استهلاكنا".

29 منتجا للعرق من المتين، العقيبة، الشياح، وطى الجوز، غسطا، الخنشارة، كفرذبيان، الفرزل، البترون، سبعل، كفريا، قب الياس، المريجات، شتورا، كسارة خربة قنافار، شبطين وزحلة شاركوا في يومي العرق والتذوق. وفي خلالهما تجلت روح المبادرة اللبنانية، إذ تجاورت أسماء خمارات عرق متجذرة في الذاكرة إسما وطعما، منها من عاند الزمن وأستمر، ومنها ما أعاد الجيل الرابع من العائلة عصير الكرمة اليها، مع خمارات نشأت حديثا.

ولان العرق المثلث البلدي الاصيل، المرتبط بالجلسات الطويلة حول مائدة من الاطباق الصغيرة المتنوعة، المنكهة بالعتابا والميجانا، بات لا يلبي متطلبات عصر الحانات، واللقاء حول كأس، والاكل السىريع، والموسيقى الايقاعية، فقد بادر أصحاب الخمارات الى توفير خيارات تحاكي جيل هذا العصر، واستنبطوا وصفات طوّرت العرق مشروبا سريعا مطعما، ملونا بنكهات يمكن احتسائه على الواقف. وفي "يوم العرق اللبناني" كان بالامكان تذوق كوكتيل عرق مع البطيخ، مع التوت، مع القصعين، مع خلطة حمضيات ورمان وزنجبيل وبهارات الخ الخ يقدم بكؤوس مختلفة عن كأس العرق التقليدي. وربما أفضل مثال الذي جسده العرق عن الاختلاف بين الاجيال هو موقف منتجي "عرق بران" بين إمتعاض الوالد إيلي عيسى من هذه الخلطات، في مقابل تحمس ابنته كريستيان لها.

ولان ثقافة شرب كأس، في اساسها الالتقاء والتواصل والتبادل، ولان معظم الخمارات هي منتجة ايضا للنبيذ، فقد قادنا الحديث مع ايلي بطرس معلوف، الذي حقق اخيرا شغفه بتقطير العرق وتخمير النبيذ في بلدته رياق، الى قصة شيّقة تتعلق بتاريخ مطار رياق ومحطة القطار اللذين طبعا رياق والبقاع بفترة من الازدهار، وذلك انطلاقا من تسميته لنبيذه الابيض Rayak 43 واليكم الحكاية كما رواها 

وفي مدينة التذوق، إكتشفنا مع صاحب مطعم "تايتانك" وصفة جديدة من ال café blanc الدافىء إحتفظ بسرها، لكنها من دون شك وصفة فعالة بعد تذوق عدة كؤوس من العرق.


وفي الختام طرفة رواها عريف الاحتفال المخرج الصحافي جوزف شعنين عن علاقة زحلة بالعرق، وفيها: انه ذات أحد في حقبة الحرب، جاء زحلي مسرعا، لوالده الذي كان جالسا على مائدة الطعام، معلنا له عن عجيبة وقال له بان " تمثال مقام سيدة زحلة والبقاع يدور حول نفسه"، فرد الوالد، غير عابىء بالخبر "يا ابني إنه الظهر يوم أحد، زحلة كلها عم تبرم".




إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard