12 عاماً على حرب تموز... شهادات حيّة لأسر بقيت تحت القصف

12 تموز 2018 | 19:06

النازحون في قرية عيترون الجنوبية.

12 تموز 2006، تاريخ لن ينساه اللبنانيون عموماً والجنوبيون خصوصاً. تاريخ بدأت فيه حرب استمرت 33 يوماً، شهد فيه العالم افظع المجازر بحق المدنيين داخل منازلهم وعلى الطرقات. حرب لم يشهد لها الجنوبيون مثيلاً، فقد دمّرت البشر والحجر، مخلفةً أكثر من 1200 شهيد وآلاف الجرحى، وملايين القنابل العنقودية التي ما زالت تحصد الأرواح حتى الآن. 

الحرب الفجائية اندلعت صبيحة 12 تموز بعد تنفيذ "حزب الله" في بلدة عيتا الشعب الحدودية هجوماً عسكرياً  قُتل خلاله خمسة جنود إسرائيليين (بينهم اثنان أعلن حزب الله والجيش الإسرائيلي أسرهما ثم أُعلن بعد ذلك عن مصرعهما).

قصص كثيرة علِقت في ذاكرة من عايش تلك المرحلة. الحرب اشتعلت من دون سابق انذار، فالحياة كانت طبيعية في الجنوب، وأسر كثيرة بدأت لتوّها تمضية العطلة الصيفية بعد انتهاء العام الدراسي، ولكن الكثير منهم لم يهنأ بهذه العطلة فتحوّل رمادا، واعتُبر في عداد المفقودين.

لم يتوقع أحد أن تتحوّل عملية أسر جنديين الى حرب ستدوم 33 يوماً، وتخلّف دماراً لم يشهده لبنان منذ الحرب الأهلية في العام 1975. فأبناء القرى الحدودية لم يعتَدوا تلك الحرب، اثناء الاحتلال الاسرائيلي. فقراهم كانت بمنأى عن القصف، إلا أن الوضع في تموز 2006 كان مغايراً.

بلدة الخيام الحدودية تعرضت لقصف شديد دُمّرت خلاله معظم المنازل والأحياء. البلدة المعروفة بحيويتها وتعداد سكانها الكبير، أصبحت شبه خالية إلا من عشرات الرجال، ومن بينهم عضو المجلس البلدي محمد علي حمود الذي بقي 20 يوماً تحت القصف.

وعن ذكرياته في تلك المرحلة، يشير حمود إلى أنه فور انتشار خبر العملية العسكرية، ظن الجميع أن الحرب ستستغرق ساعات وتنتهي كالمعتاد، إلا ان الأمر كان مختلفاً هذه المرة، فقد هُجِّر سكان البلدة بعد 3 أيام فقط، ولم يتبقّ سوى القليل منهم. 

يتحدث حمود بحسرة عن 20 يوماً لازم فيها المنزل، فالقصف كان يستهدف جميع المنازل من دون تمييز، وقد تعرض منزله للعديد من شظايا القنابل من خلف الحدود. استمرت الحال على هذا المنوال إلى أن ساءت الأمور في اليوم الثاني عشر حين انقطعت الكهرباء عن البلدة، فأصبح من تبقى في جحيم بكل ما للكلمة من معنى، "كنا ننتظر ساعة الموت، الى ان استطعنا الانسحاب في اليوم العشرين للحرب". وعن طريقة تأمين الطعام أكد حمود أن الاحزاب في البلدة كانت تضع الخضار والفاكهة امام مبنى البلدية، ولكنها كانت تتعرض للتلف، نظراً لعدم وجود من يأخذها.

ومن بلدة الخيام في مرجعيون الى بلدة عيترون في قضاء بنت جبيل والتي سقط فيها عشرات الشهداء نظراً لوجودها على الحدود مباشرةً. منذ اليوم الأول وقع السكان تحت هول الصدمة، الجميع ظن أن العملية ستستغرق ساعات وتنتهي الأمور، بعضهم قرر اللجوء الى بيروت منذ اليوم الأول، فكانت الطائرات لهم بالمرصاد بقصف الجسور والطرقات الأساسية. قرر معظم أهالي البلدة الانتظار إلى أن تهدأ الأمور قليلاً، ومن بينهم عائلتي. ولكن هذا القليل استمر 12 يوماً. ايام لا يمكن محوها بسهولة من ذاكرة كل من عايش تلك المرحلة، فالقصف كان يستهدف أطراف البلدة في البداية، لذلك لجأت العائلات إلى النوم في باحات المنازل وأسفل السلالم. الى أن بدأت القنابل تستهدف المنازل. مشاهد لا يمكن نسيانها. ضمت الأم ابنتها وهي تصرخ "دخيلكن بنتي". الهروب من منزل الى آخر ظناً أنه أكثر أمناً. تحوّل منزل عمي في القرية الى ملجأ ضم معظم الأقارب الذين زاد عددهم عن 30 شخصاً اختبأوا في غرفة كانت مخصصة للمونة، لا تزيد مساحتها عن 5 امتار  مربعة. "تخيّلوا كيف يمكن لهذا العدد أن يقيم عدة أيام في تلك الغرفة!". كان الأب يحتضن ابنه خوفاً عليه من ضرر قد يصيبه، (في استعادة لمشهد الطفل الفلسطيني محمد الدرة الذي قتلته القوات الاسرائيلية بين احضان والده). استمر القصف أسبوعاً من دون إصابات في الأرواح. وفي الاسبوع الثاني شنت احدى الطائرات هجوماً على منزل عائلة الأخرس فراحت ضحيتها العائلة القادمة من أوستراليا بأكملها، تلتها مجزرة اخرى لعائلة من آل عواضة. وفي اليوم الثاني عشر للحرب بدأت قوافل السكان بمغادرة البلدة في رحلة استمرت لأكثر من 10 ساعات الى أن وصلنا إلى بيروت. 

رحلة الخوف يرويها حسن بزي من مدينة بنت جبيل، حين أتى أحد عناصر "حزب الله" على دراجته النارية طالباً من الجميع المغادرة قائلاً: "المعركة ستحتدم في المدينة". مئات السيارات سلكت قرى الجنوب هرباً الى بيروت، "وضعنا شراشف بيضاء اللون على السيارة إشارة إلى أننا مدنيون. الطائرات لاحقت القافلة منذ انطلاقها، كنا نمرّ في قرى مدمّرة بالكامل. معالم الطرق تغيّرت، واختفت منازل من الوجود. إحدى الجثث التي لم نشاهد منها سوى اليد قرب أحد المنازل، كانت الكلاب تنهش لحمها. وحين توقف الموكب وقرر احد الأشخاص انقاذ الجثة شنت إحدى الطائرات الإسرائيلية غارة وهمية فوق السيارات لإجبارها على متابعة السير".

قبل وصول الموكب الى مدينة صيدا، قصفت الطائرات الإسرائيلية الطريق، فاضطررنا إلى سلوك مسار حرجي. المشهد كان كارثياً. عائلات بأكملها داخل سيارة واحدة. معمل الجية الحراري كان يحترق. الدخان الأسود كان يغطي السماء. سلكنا قرى في منطقة الشوف وصولاً الى البقاع، ومن البقاع قصدنا سوريا، والبعض الآخر عاد الى الضاحية الجنوبية التي كانت بدورها تتعرض لقصف مدمّر لم تشهده من قبل.

وبعيداً من القرى الحدودية، شهدت بلدة سلعة في قضاء صور مجزرة راح ضحيتها 8 شهداء من عائلتَي أيوب ونعيم، بسقوط صاروخ طائرة على المنزل الذي كانتا في داخله. المنزل اختفى عن وجه الأرض. وبعد انتهاء الحرب قام أهالي القرية بدفن بقايا الجثث في مقبرة مشتركة، فلم يبقَ من الأشخاص الثمانية سوى 8 كيلو غرامات فقط. ومن القصص المؤثرة في تلك المجزرة، أن أحد افراد عائلة ايوب قرر مصالحة زوجته التي فقدت منزلها، قبل المجزرة بـ24 ساعة، وطلب منها العودة الى منزله، وبعد عودتها بساعات قُصف المنزل وانتهت رحلة العائلة تحت الركام.

 آلاف القصص يمكن أن تُروى عن تلك الحرب. عائلات رفضت مغادرة منزلها، "لا نغادر أرضنا وسنبقى حتى الرمق الأخير"، عائلات نجت من القصف بأعجوبة، وعائلات استشهدت، مئات الأبنية تحوّلت الى ركام في الضاحية الجنوبية، ذكريات كاملة محتها الطائرات. ومن تبقى على قيد الحياة أصر على المقاومة اكثر من اي وقت مضى. فالحرب مع اسرائيل عمرها عقود. ومعظم الناس تردّد: "تنذكَر وما تنعاد، ولكن إن وقعت مجدداً فنحن لها". 




إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard