شياطين وديكة: ليلة انتشاء

11 تموز 2018 | 15:05

المصدر: "النهار"

فرحة الفوز (الصور أ ف ب).

عاشت فرنسا البارحةَ ليلةَ انتشاء. غمرت البهجة مُدنها وساكنيها: أهازيج مُرتجلة ومركبات تَقطع الشوارع. دنانٌ من الخُمور تجري ابتهاجًا. ولا حديثَ، في وسائل الإعلام وأفواه الناس، عامتهم والخاصة، إلا عن هذه المباراة التي قد تُفضي بهم إلى معانقة كأس العالم من جديد. بعد الفوز، تَخَلَّقت حالة ثقافية وألهبت آليات الذهن والضمير والبيان كلها بالتركيز على هذا الحدث الرياضي، في كل تفصيلٍ من تفاصيله. صارت المقابلة، وعمرها في الزمن دقائق مَعدودةٌ محدودة، بمثابة نص-أصلٍ جامعٍ، تدور حوله الشروح وتفترق التأويلات. وتحول نصر "الزُّرق" وهزيمة "الحُمر" إلى مشهدٍ من مشاهد الوجدان وامتدادات البيان. ووصلت ارتدادته إلى قبة البرلمان، فأوقَفَ رئيسه إحدى مداولاته حول إصلاح دستوري خطير. واجتمع شمل الأسر بعد تفرقها وطفت فوق السطح سجالات التاريخ وافانين الذاكرة. فالبَلَدان - في الشق الفرنكفوني- متمازجان: لغة واحدة تجمعهما، وتصل بينهما حدود جغرافية هي في الحقيقة كَــلا حُدود. ففي الماضي، التحما حينًا بنَعرات التجاور، وحيناً بمماحكات التقارب.    

كانت المقابلة التي شاهدها البارحة ملايين المشاهدين عبر التلفاز أو الشاشات الكبرى التي نصبت في المقاهي والباحات، مناسبة لاسترجاع هذا الإرث الحضاري الجامع بين دولتَيْن وشعبَين. وتجلت في التعليقات التي صدرت، رسميا أو شعبيًا، قوة هذه الروابط واختلاف مادتها عما سواها من العلاقات. فهي على حُسن الجيرة تقوم، وإن تنافسَا، فتنافس الأقارب والخلطاء الخلصاء. فكان ما يعيشه المشجعون مأدبة ثقافية بامتياز، ظهرت فيها عبقرية اللغة التي صاغت من الصور وإبداعات المجاز ما يذهل: لحظات تحالف أثناء الملاحم، ولحظات تناحر وسخرية، بين مملكة وجمهورية.  

وكان الضيف الأغر، في هذه اللحظات التي لا يجود الزمن بمثلها إلا نادرًا، حس المواطنة وشعور الانتماء. يكفينا استرجاع دلالات الأسماء وإستراتيجية إطلاقها لنرى كيف توسعت معانيها وحركت المخيلة وحملتها على الاعتزاز بوطنها والافتخار بألوانها الثلاثة. واستحضرت النخوة باسميْ: "الشياطين الحُمر" و"الديكة الزرق" وفيهما مَلحمة كاملة، تتقابل في طيّاتِها مُكونات الأسطورة وأحداث التاريخ: الشيطان والديك، رموز ترتبط بالسرعة والمكر. وكلاهما يسعى إلى الفوز: ماردٌ يسابق المسافات أو دابة تنقر عدوها في مخاتلة وتصيبه في مقتلٍ. يعود اسم "الشياطين الحمر" إلى سنة 1906، حين تنافس الفريق البلجيكي مع هولندا، ففاز بخمسة أهداف نظيفةٍ. فأطلقه الصحافي بيار والكيير على لاعبيه، في جريدة "الحياة الرياضية"، وقد انبهر بسرعة ركضهم ومَهارة التسديد. والإحالة فيه على بطل قومي ثانٍ، السائق كامي جنتاز (1868-1913) الذي بلغت سرعة سيارته وقتها، مائة كلم في الساعة فصارت في سرعتها الصاروخية مضرب أمثال. والحُمرة بسبب لحيته الحمراء. وأما العلة في اختيار "الديك" فعائدة إلى الأصل اللاتيني لكلمة Gaulois، وهم أجداد الفرنسيين من "الغالية"، ويعني جذرها Gallus "الديك وساكن منطقة الغال". أطلقت تسميةً على المنتخب الفرنسي منذ 1909 استيحاءً لهذا الرمز الضارب في قاع التاريخ واستئناسًا بقيم الأسلاف في الشجاعة والوفاء. فمن منطقة اللاوعي، تنبعث هذه الصور وتلتف حولها الناس، يستظلون بدوحتها الوارفة. تذوب بينهم فوارق الأصل وخلافات السياسة. وتغدو كرة القدم الرمز الجامع لشرائح المجتمع والحبل الواصل بين ماضيه والراهن.  

في هذه الحالة، ألا يحق أن نَنعى قيم العقلانية وتماسك الخطابات الفلسفية عن الهوية والذاتية الثقافية؟ نتساءل ونحن نرى الملايين يتابعون أخبار "الساحرة المستديرة"، وما هي إلا "قطعة جِلدٍ مُنتفخة" في الوقت الذي تفشل سياسات الإدماج التي دَأبت عليها الحكومات المتعاقبة لجمع كلمة الشعب الفرنسي على قيم الجمهورية: "أخوة- عدالة- حرية". كما لم تفلح، إلا قليلاً، الخطابات الفكرية الهادفة إلى تطوير حس المواطنة. تذهب آلاف الصفحات عن المساواة ونبذ العنصرية سدًى، وتنجح مباراةٌ، لا تدوم سوى عشرات الدقائق، في صهر الفئات المجتمعية المتناحرة وتوحيد الأجيال حول لحظات حماس وطني.  

أم إنَّ هذه المشاعر الفُرجوية العابرة مجرد تنفيس لغريزة الحروب والتنافس؟ فعوض أن تتناحر الأمم بالأسلحة، تتناظر فوق الأعشاب، وتنقل إلى الشعب حماسة الملحمة. ويجني تجار المباريات وسماسرتها، كما يجني تجار الحروب، ثروات طائلةٍ تحصدُها أرجل اللاعبين "الذهبية".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard