هل لبنان مهدّد بالانهيار الاقتصادي والإفلاس المالي؟

10 تموز 2018 | 17:09

المصدر: "النهار"

لبنان الحياة من البترون (تعبيرية- طوني فرنجية).

يتساءل الجميع من دون استثناء عن الوضع الاقتصادي والمالي والنقدي في لبنان الذي يعيش في ظلّ أزمة مالية واقتصادية قد تتحوّل إلى أزمة مستفحلة. وتبدو ملامح العاصفة التي تقترب بسرعة وتهدّد بانهيار مالي واقتصادي. بحسب ما كشفته وكالة "بلومبرغ" الأميركيّة عن صندوق النقد الدولي قوله إنّ الاقتصاد اللبناني يتجه في مسار لا يُمكن تحمّله، مما يتطلّب تحركاً طارئاً لاستعادة ثقة المستثمرين، كما يجب التشدّد في المالية العامّة. وأشار الصندوق إلى حجم القرارات المكلفة سياسياً، التي يجب على لبنان اتخاذها من أجل إنعاش الاقتصاد.

الوضع الاقتصادي 

سجّل الفصل الأول من هذه السنة استمراراً لنسب النمو المتدنية في القطاع الحقيقي للاقتصاد المحلي. إن التحدي الاقتصادي الأبرز في يومنا هذا يكمن في الحدّ من حلقة النمو البطيء، لا سيما في أعقاب نمو سنوي في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمتوسط قدره 1.8% خلال السنوات السبع الأخيرة. ويستدل من التقارير الصادرة عن بعض المؤسسات المالية الدولية وفي مقدّمها ​البنك الدولي​ و​صندوق النقد الدولي​ أن الاقتصاد اللبناني سيبقى يعاني خلال هذا العام من تداعيات التوترات الجيوسياسية التي لاتزال تشكل عبئاً على ​النشاط الاقتصادي. وبحسب البنك الدولي أثّرت الأزمة السورية المستمرة منذ العام 2011، سلباً في كافة قطاعات الاقتصاد اللبناني، إذ لم يتجاوز النمو 2.5% منذ العام 2012، مقارنة بنحو 8% عامي 2009 و2010. وسجل الاقتصاد اللبناني نمواً نسبته 1.8% في 2016، و1.3% في 2015. وقدَّرَ صندوق النقد الدولي النموّ الإقتصادي الحقيقي في لبنان بـ 1.2% خلال العام 2017، متوقِّعاً أن تصل هذه النسبة إلى 1.5% في العام 2018 و 1.8% في 2109. ووفقاً لتقريره المعنوَن "آفاق الإقتصاد الإقليمي – أيّار 2018"، فإن هذه الأرقام الضعيفة تعود نسبيّاً بشكلٍ رئيسيٍ إلى استمرار تداعيات التجاذبات السياسيّة والأمنيّة الإقليميّة على مستويات الثقة في البلاد وعلى القطاع العقاري، وحركة السياحة، والنشاط الاستثماري والتجاري لديها.

وتظهر الإحصاءات الصادرة عن ​إدارة الإحصاء المركزي​ ارتفاعاً في مؤشر تضخم الاسعار بنسبة 5.19% الى 104.14 في شباط 2018 مقابل نتيجة 99.00 في الشهر نفسه من 2017 في ظل الزيادة بأسعار جميع مقومات المؤشر. ومع تزايد ​التضخم​، ازدادت الضغوط نتيجة لارتفاع أسعار السلع الأساسية العالمية وانخفاض قيمة ​الدولار​ مقابل ​الأورو​، مما أدى إلى زيادة كبيرة في أسعار الواردات. وتساهم الزيادة في ​الأجور​ العامة أيضاً في ارتفاع الأسعار. وعقب ازدياد ملحوظ في العجز التجاري خلال السنوات السبع الماضية، تعود معضلة الحساب الخارجي إلى الواجهة، والتي فاقمتها العجوزات المتتالية في ميزان المدفوعات بمقدار 9.6 مليارات دولار خلال السنوات الست الماضية. وقد بلغ العجز التجاري اليوم نسبة تناهز 31% من الناتج المحلي الإجمالي. وتراجعت قيمة الصادرات اللبنانية بنسبة 2.11% خلال العام 2017 الى 2.47 ملياري دولار. وبحسب احصاءات وزارة الصناعة اللبنانية، تراجعت الصادرات بنسبة 2.11% على صعيد سنوي. أما بالنسبة " للقطاع العقاري" فإنه إلى تراجع بلغ نحو 20 % مما أدّى إلى اتجاه بعض المطورين العقاريين إلى دول أخرى كقبرص التي تجد إقبالاً لبنانياً على الشراء. وطبقاً لمصرف لبنان، انخفضت أسعار العقارات بأكثر من 10% في 2017، بينما يشير مؤشر مديري المشتريات إلى استمرار تأثّر ثقة القطاع الخاص بعدم اليقين السياسي. وارتفعت البطالة حيث تعدت نسبتها نحو36% من القوى العاملة في حين أنها تبلغ 42% للفئة العمرية التي تراوح بين 18 و24 عاماً. وأظهرت المؤشرات الصناعية إقفال نحو 388 مؤسّسة بين عامي 2012 و2015 من أصل 2365 مؤسسة كانت توظف نحو 78 ألف عامل.

(عن صفحة "إنستا ليبانون" في "إنستغرام").

الوضع المالي

بحسب بيان خبراء الصندوق في ختام بعثة إلى لبنان في شباط العام 2018 لا يزال موقف المالية العامة بالغ الصعوبة وينطوي على مخاطر كبيرة وهناك اختلالات خارجية كبيرة ومزمنة حيث يعتبر عجز الحساب الجاري الكبير والمزمن وغيره من الاختلالات القائمة بمثابة دليل على وجود مبالغة كبيرة في تقييم سعر الصرف الفعلي الحقيقي. وتظهر ​إحصاءات​ وزارة المال اللبنانية أن إجمالي الدين العام في لبنان قد ازداد بنسبة 6.2% خلال العام 2017 ليصل الى 79.53 مليار دولار مقارنة بـ 74.90 مليار دولار في نهاية العام 2016، أي زيادة قياسية وخطيرة بنحو 5 مليارات دولار. وقد ارتفع رصيد الدين بالليرة اللبنانية بنسبة 5.0% خلال العام 2017 الى 49.14 مليار دولار من 46.78 مليار دولار في نهاية العام الذي سبقه. إن حجم نمو ​الدين العام​ مرتقب أن يلامس الـ90-92 مليار دولار خلال هذا العام، مما يعني أن لبنان سيبقى يعاني من ارتفاع الدين بالنسبة إلى ​الناتج المحلي​. تصل نسبة المديونية إلى 150% من الناتج المحلي اليوم وهي ثالث أعلى نسبة في العالم، مع نسبة في العجز المالي العام تناهز 8% من الناتج المحلي الإجمالي وهي بين العشر الأول في العالم. وبالتالي فمن المرجح أن يصل الدين العام إلى 110 مليارات دولار في الخمس سنوات المقبلة إذا استمرت وتيرة نمو العجز على حالها وستصبح كلفة الدين العام وهي ما يدفعها الشعب اللبناني في الـ 8 سنوات المقبلة نحو 8 مليارات دولار. ومقارنة بحجم الإقتصاد الذي من المرجح أن يكون 60 مليار دولار في 2020 فإن الدين العام سيشكل نحو 185% من حجم هذا الاقتصاد في حال تسجيل معدلات نمو لهذا الاقتصاد بنسب 1 و2 %. وبحسب الصندوق، من المتوقع أيضا أن تصل أرصدة المالية العامة الكلية إلى مستوى أعلى بكثير من 10% من إجمالي الناتج المحلي وأن يقترب الدين العام من 180% من إجمالي الناتج المحلي مع حلول عام 2023. وسيظل عجز الحساب الجاري كبيراً. وإن إجمالي عجز الكهرباء المتراكم خلال 26 عاماً (من 1992 الى نهاية 2017) بلغ 36 مليار دولار، يمثل حوالى 45% من اجمالي الدين العام الذي بلغ 79،5 مليار دولار مع نهاية كانون الاول 2017. وإن تحويلات مصرف لبنان لتغطية عجز الكهرباء بلغت 1،295 مليار دولار خلال العام 2017.

(عن صفحة "إنستا ليبانون" في "إنستغرام").

الوضع النقدي

إن ثمة 67 مليار دولار مسخّرة في خدمة الدفاع عن الليرة، وهو احتياطي غير مسبوق في تاريخ لبنان. فموجودات المصرف المركزي بلغت نحو 43.2 مليار دولار، واحتياطات الذهب تفوق الـ11.5 مليار دولار، يضاف إليهما المبالغ الموجودة للمصارف اللبنانية لدى المصارف المراسلة والبالغة نحو 12 مليار دولار، مما يساعد في استقرار الليرة اللبنانية ولكن بشكل موقت. يهدّد هذا الاستقرار النقدي التأزم السياسي وضعف النمو الاقتصادي مما يفقد الليرة اللبنانية العنصر الأساسي لاسقرار سعرها وهو الثقة.

إن المؤشرات الاقتصادية والمالية آنفة الذكر لهي مؤشر خطير عن حالة الاهتراء الاقتصادي، الأمر الذي يتطلب إعلان النفير العام من كل الأطراف السياسيين والتداعي بشكل سريع لتحصين هذا الوضع المتردي عبر تشكيل حكومة تتحمل مسؤولياتها تجاه شعبها، ووضع الخطط والسياسات الاقتصادية والمالية ومكافحة الإهدار والفساد. كما يتطلّب ذلك إصلاحات هيكلية وبنيوية ومالية طال تأجيلها والتي من شأنها تمتين استقرار لبنان الاقتصادي. وإلا فإن السفينة ستغرق بالجميع ولن ينفع عندها قرار المجتمع الدولي بالحفاظ على حالة الستاتيكو منعاً للنزوح السوري من غزو أوروربا وتهديد أمنها القومي، ولن تجدي عندها زيارة ميركل السابقة إلى لبنان نفعها...

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard