خواء الخطاب السياسي في لبنان

3 تموز 2018 | 09:56

المصدر: "النهار"

مجلس النواب اللبناني.

"لا يمكننا أن نكره الوطن بسبب كرهنا للرجال الذين يحكمونه، الوطن أكبر من هذا بكثير" (ياسمينة صالح، روائية جزائريّة) 

إذا كان الكلام هو وسيلة التعبير والتواصل التي تميّز السلوك الإنساني، فإنّه من الضروري التنبه للخطاب الذي يرافق العمل السياسي ويشرحه ويبرّره. فالخطاب بحسب القاموس هو الرسالة، وفي السياسة، الخطاب السياسي هو الرسالة المعلنة للدولة التي يتمّ من خلالها التوجه إلى الداخل والخارج حيث تكشف فيه عن استراتيجيتها وخططها وأهدافها والآليّات الواجب اتّباعها لتحقيق الاستراتيجيات وتنفيذ الأهداف السياسية مع تحديد المهل الزمنية على المدى القريب والمدى البعيد. فالقوى السياسية ولا سيما الحاكمة منها، عليها أن توحي في خطابها بالثقة والصدقية، من دون أي فصل بين المحتوى السياسي والأسلوب أو الشكل. وإذا كانت إحدى أهمّ وظائف الخطاب التأثير في الناس عبر استمالتهم وإقناعهم وتهيئتهم للموافقة على توجهات الدولة، فعلى السياسيين ألاّ يكذبوا أو يتنكروا لوعودهم، كما عليهم التوجه إلى الناس بكلام واضح وبتعابير دقيقة ومقتضبة وذات دلالات بعيداً من الإنشاء والتعميم والإلتباس والتضليل. فالإقناع لا يتمّ إلّا بالحجج والبراهين العقلية والمنطقية مع التحكّم باللسان ولغة الجسد وعبر احترام الذين يتلقون الخطاب في الداخل بتنوّعه وتعدّده وفي الخارج سواء، كان هذا الخارج دولة أو هيئة رسمية أو مؤسسة.  

فهل يحترم الخطاب السياسي السائد حاليّاً في لبنان عقول اللبنانيين وكفاءاتهم وقدراتهم ومشاعرهم وذاكرتهم الوطنية؟ تالياً، هل يطرح أي استراتيجيا أو أي رؤية مستقبلية أو أي آلية أو أي مهلة زمنية للخروج من النفق ولتحقيق أهداف الدولة اللبنانية المعلنة وللوفاء بوعود القوى السياسية في السلطة؟ وهل لجأت الطبقة السياسية يوماً إلى الحجج والبراهين العقلية والمنطقية لاستمالة الناس وإقناعهم وإشراكهم في صنع القرارات السياسية والاقتصادية؟ وهل يوحي هذا الخطاب بالصدقية وبثقة الداخل والخارج معاً؟ وهل التزمت السلطة السياسية يوماً البيانات الوزارية المحشوّة بالمنّ والسلوى، التي يغلب عليها الطابع المدرسي الإنشائي، والتي تدور حول صياغتها معارك طاحنة لاستبدال كلمة أو عبارة بأخرى؟ وهل يتحكم السياسيون في توجههم إلى المواطنين بلغة أجسادهم وبألسنتهم؟ فالشعوب في البلدان الراقية تدقق في تفاصيل السير الذاتية للمتنطّحين للشأن العام ويحاسبون من في السلطة على أي إخلال بأي وعد يطال حياة الناس ومستقبلهم، وعلى أي إفادة أو منفعة شخصية من شاغلي المواقع الرسمية.

لعلّ أهمّ ما يميّز الخطاب السياسي في لبنان أنه خطاب مناسبات سياسية يفتقر إلى الشموليّة والعمق وغنى المحتوى ورقيّ اللغة؛ خطاب عشوائي يطغى عليه الارتجال، وأحياناً كثيرة الإبتذال والبذاءة، ويأنس إلى الشتيمة، متوجّهاً إلى الغرائز الطائفية والمذهبية والقبلية والمناطقية؛ خطاب ماضوي لم يبرأ حتى الآن من أمراض الحرب الأهليّة؛ كيدي فضائحي وإلغائي وإقصائي يبرع في نكء الجراح ونبش القبور من دون أن يسأل عن أي تداعيات أخلاقية أو سياسية أو تربوية.

إنه خطاب تصادمي تحريضي إنفعالي ومتقوقع، يتفنن في تزوير المصطلحات والمفاهيم وفي استغباء المواطنين وتزييف الحقائق. إذ إن أحد أكبر همومه بل همّه الأساسي، المحاصصة وتناتش الكراسي والمواقع للوصول إلى السلطة، متّخذاً من الإعلام منصّةً سياسية في هجومه على الخصوم، تتضارب فيه مشاريع الزعامة والوجاهة كما أُكر البليار، حيث يتمّ نشر الغسيل الوسخ فوق السطوح، على الاثير وعلى الشاشات.

إنه خطاب فئوي استقوائي موجَّه إلى الداخل بانقساماته وتشظّيه الطائفي والمذهبي والمصلحي. كأن منطقة النفوذ المحلّي هي حدود العالم، وكأن روما وباريس وبروكسل حيث تُعقد مؤتمرات القروض والإستدانة، لا تعنيه، مستهتراً بانطباعات الهيئات الدولية والدول المانحة وتساؤلاتها حول صدقيته وجدواه.

الخطاب السياسي السائد حاليّاً في لبنان، مزاجي متقلّب ومتلوّن تنقلب فيه الصداقات فجأة عداوات، والعداوات صداقات، بحيث تعجز مواقع التواصل الإجتماعي بمدّاحيها وشتّاميها عن اللحاق به. وهو مبني على الأحاديات والثنائيات، وعلى المزايدات والتفاهمات خارج المؤسسات والأطر الدستوريّة، مستهلكاً هيبة الدولة بدلاً من تثبيتها وتقويتها.

إنه خطاب ترويعي تخويفي يلعب على حافة الهاوية، تارةً يهدد اللبنانيين بلقمة عيشهم (سعر صرف الليرة) من دون مراعاة هموم الفقراء من اللبنانيين، وطوراً يهدّدهم باستقرارهم وأمنهم وسلامهم. إنه خطاب مأزوم يجعل من الحبّة قبّة لإمرار صفقة أو عمولة أو رهان. فلا يكاد يخرج من أزمة حتّى يدخل في أخرى، وهو يفضح نفسه بنفسه عبر تسمية الحكومات المتعاقبة والتكتلات النيابية بأسماء شتّى. فالحكومة الجديدة هي تارةً "حكومة المصلحة الوطنية"، فكأن التي سبقتها لم تكن كذلك. وهي طوراً "حكومة استعادة الثقة وبنائها"، كأن سابقتها لم تكن حائزة ثقة الناس. وهي غالباً "حكومة وحدة وطنية" و"وفاق وطني"، فكأن التسمية إقرار بالتشرذم والانقسام، أضافة إلى كلمة القوة في وصف أي تجمّع وكأنه إقرار بالعجز والضعف وبعبثية كل الوصفات السياسية والإقتصادية التي اجترحتها عقول القوى الحاكمة والمؤثّرة.

إنّه خطابٌ مضجرٌ ومملٌّ، ركيكٌ ورتيب يفتقر إلى الخيال في تكراره للوجوه والإتّهامات، وفي ترداده للوعود والمواعيد بحلّ الأزمات، من الكهرباء إلى الماء والنفايات والتلوث والسير والفساد وهدر المال العام والغلاء والإحتكار والأقساط إلى اللاّجئين والسلاح غير الشرعي وبسط سيادة الدولة واللامركزية الإداريّة وإيجاد فرص عمل؛ هذه الوعود التي أضحت لازمة كل العهود والتصريحات والبيانات كلّما اجتمع إثنان وكلّما انعقدت جلسة أو مؤتمر.

خطابٌ يعتمد التذاكي والتشاطر والمناورة والتحايل والباطنية في إعلان المواقف ومقاربة الملفّات والأزمات، حيث يعلن السياسيون غير ما يبطنون، استجابةً لغايات شعبويّة؛ خطاب يستمد حيويّته من السجالات والمناكفات والرسائل المشفّرة، لا من تبادل الأفكار والإقتراحات والحلول المجدية، بكلّ أدبٍ وهدوء.

الخطاب السياسي السائد حالياً، هو في غالبيته صدى للرهانات على الخارج وللإرتباطات الإقليمية والدوليّة، وكأنه يقيم في قاعات الترانزيت لرصد الإتجاهات. وكونه صدى للإشتباك الخارجي، فإنه يعلو ويهبط ويتقلّب تبعاً للرياح الخارجية في عصفها وسكونها.

إنّه خطاب غير متماسك ومفكّك يشبه قطع البازل والكلمات المتقاطعة، وقاصرٌ عن التعبير عن الوجدان العامّ. وهو تالياً، فاقد الصدقيّة لأنّه قائمٌ على الترضيات والتسويات الدائمة الإهتزاز، ولم يستطع أن يكون وطنيّاً جامعاً، إذ يدور بين أطراف السلطة أنفسهم، مديراً ظهره للناس، ولا ينقصه سوى التراشق بالكراسي وبأكواب الماء، كما في بعض البرامج التلفزيونية الحوارية، في سياق التسابق على المنافع والحصص.

إنّه تغريدات سياسية على الـ"تويتر"، أكثر منه خطاباً متّزناً يستجيب الأخطار والتحديات السياسية والإقتصاديّة والكيانية الوجودية؛ خطابٌ خاوٍ لا يسأل عن الممتنعين عن الإقتراع والمقترعين بالأبيض، ويقذف بفجاجةٍ بمواطنيه إلي المهاجر من دون أن يرفّ له جفن.

خطابٌ لا يملك خططاً أو تصوّراً علميّاً، إذ يحوم كما الغربان فوق جثث الوزارات الموزّعة توزيعاً غريباً عجيباً، بين سياديّة وخدماتيّة، ولا يخجل من التباهي إذا أقرّ موازنةً بتراء من دون قطع حساب، أو قانوناً إنتخابياً بنسبيّةٍ مشوّهة، أو إذا ألقى القبض على قاتل واضعاً كلّ ذلك في خانة الإنجازات لا في خانة الواجبات البديهيّة.

خطابٌ تغلب عليه الوقاحة، إذ لا يقيم أيّ وزنٍ للرأي العام. فالفساد ونهب المال العام لا يعودان عيباً، ويرجع ذلك إلى غياب المعارضة الجدّية لأن حكومات الوحدة الوطنيّة أضحت مجلساً نيابيّاً مصغّراً بأعداد وزراء تفوق عدد وزراء الصين، كما يرجع إلى عجز المجتمع الأهلي عن صياغة خطاب سياسي بديل عبر طرح برامج ورؤية بديلة ونماذج تغييريّة جديدة. فاعتراض القوى الأهليّة يبقى موسميّاً وأحياناً عالي السقوف.

غياب المعارضة هذا، قد ساهم بشكلٍ كبير في تدنّي الخطاب السياسي للقوى الحاكمة. إنّه خطابٌ لا يعتمد معايير قيميّة مثل الحوار والمواطنة واحترام حقوق الإنسان والصدق والوضوح والشّفافية واللاعنف، إذ إن نبرته تعبويّة قتاليّة، وأحياناً كثيرة عنصرية، يستثمر في الراهن والموقّت لا في المستقبل، ولا يفسح المجال أمام حريّة الإختيار والنقد والتفكير. والأدهى من ذلك كلّه، أنّه يؤسس لتقاليد جديدة في قمع حرّية الرّأي، وكأنّه لم يشفَ بعد من ثقافة الوصاية، كما يفضح المداولات في الغرف المغلقة للمزايدة الشعبية أو لإحراج الخصم.

خطاب شعاره "أنا وخيّي عإبن عمّي وأنا وإبن عمّي عالغريب". الغريب هنا ليس الخارج، وإنّما المواطنون الذين هم خارج السلطة وخارج التّكتلات الحزبيّة، وقد انعكس ذلك على أهل الثقافة والمعرفة والإختصاص، فلم يعودوا مصدر إلهامٍ للناس في تبدّلٍ مستمرّ للمبادئ والقيم، وباتت الأدوار تُحصر تدريجياً بالمتموّلين من أهل البلاد ومن المجنّسين الجدد، وبالداعرين الذين يحاضرون في العفّة السياسية، كما انعكس تهميشاً ذاتياً للإحتياطيّ البديل، وسط تزايد الشعور بالغربة وعدم الإنتماء وتزايد القرف السياسي من متابعة أخبار السياسيين على الشاشات وفي الصحف.

يقول غبريال غارثيا ماركيز في ذلك، إن "قراءة الصحف في هذه الأيام تشبه تناول زجاجة كاملة من زيت الخروع على الريق"، كما يقول محمد الماغوط: "لا توجد حرية، توجد خطابات عن الحرية".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard