انتظري هنا سأتصل بالإسعاف

2 تموز 2018 | 14:56

المصدر: "النهار"

المرض، تعبيرية، لوحة لإدفارد مونش.

لا أجد صعوبةً في التعاطف مع المرضى، لكنَّ الجلوس في غرف الانتظار في المستشفيات ليس من أحبِّ هواياتي. لذا لم أجد صعوبةً في ترك والدتي وحدها لمدة يومين في غرفة الإنعاش.  

على عكسي تماماً، فإنَّ أمي تعشق المستشفيات وتزورها أكثر من زيارتها قبر والدتها.

لم تكن في الحقيقة ممتنةً لبقائها وحدها هناك، فما غاية المكوث في المستشفى إن لم يكن هناك من ينتظرك خارجَ باب غرفتك؟

جزءٌ من سعادة العودة إلى المنزل تكمن في شعور المريض بأنَّ هناك من يترقب عودته ويجب على هذا الترقب أن يكون جلياً؛ كأن تجلس على كرسيٍ بجانبه طوال فترة رقاده في سرير المرض.

لم أفعل. وهذا ما أغضبها.

اعتادت والدتي أن تكون مركز اهتمام الجميع. وعلى الرغم من كونها تدّعي الانزعاج من هذا الاهتمام، إلَّا أنَّها تفعل المستحيل لتحصل على المزيد منه، وقد منحها مرضها فرصةً مناسبةً لذلك.

أمضيتُ خمسَ سنواتٍ من عمري أقلق عليها، أراقب تنفسها، ضغطها، وحتى لون برازها.

لم يكن ذلك مزعجاً لكنَّ المزعج حقاً أنَّها رفضت التعافي: "أحييكِ لقد هزمتِ المرضَ بشجاعةٍ مذهلة. بإمكاني القول إنَّكِ سليمة تماماً منذ الآن".

كنتُ أنتظر ردّ فعلها الذي كان متوقعاً تقريباً بالنسبة إليَّ، وهي لم تبخل به عليَّ. فقد صرخت به ما إن وطئتْ قدمها عتبة المنزل: "سليمة! كيف أكون سليمة؟ انظري. ألا ترين احمرار جفوني؟ انظري إلى ارتعاش يدي!".

لم يكن كلام الطبيب أكثر قسوةً من ردّ فعلي. فأنا لم أقل شيئاً البتة. استمعتُ إلى كلامها من دون أن أعلّق بأي شيء، وقد أغضبها هذا.

أدركت لحظتها أنَّ اهتمامي سيقلّ. فهي بخير، وهي بخير بالفعل. في ذلك اليوم وجدت خطةً بديلة، فقد صرختْ صباحاً: "أعتقد أني أصاب بأزمةٍ قلبية".

خرج الطبيب من غرفتها بعد ساعاتٍ من الفحص والتصوير وتخطيط القلب ليقول: "حالةُ والدتك مُربكة. فهي طبياً بخير، جميعُ الأجهزة تقول هذا، لكنَّها تصرّ على ذكرِ أعراض توحي بأنَّها يجب أن تكون ميتة منذ ثلاثة أيام!".

كان الطبيب مذهولاً في حين كنتُ أعلم تماماً التفسير لهذه الحالة المُركبة. غير أنَّها لم تضع في الحسبان أنَّ أمرها سينكشف، والشكر في هذا يعود إلى التحاليل، التصوير الشعاعي، وتخطيط القلب.

كان عليها مغادرة المستشفى في نهاية الأمر، لكنَّها لم تيأس. فبعد عشرة أيام صرخت من جديد: "أعتقد أني أعاني نزيفاً في معدتي". لحظتها، قررتُ تجاهلَ أنَّها استهلكتْ طاقتي خلال خمسة أعوام كنتُ سعيدةً لوقوفي بجانبها لكنَّها ترفض منحي فرصةً لالتقاط أنفاسي, قررتُ العودة إلى نقطة البداية معها: "أعتقد فعلاً أنَّكِ تعانين نزيفاً. انتظري هنا سأتصل بالإسعاف".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard