أليس جميلاً أن يكون جزءٌ منك قرداً ونبتة؟

1 تموز 2018 | 11:01

المصدر: "النهار"

جزء منا نبتة (الفنان الفلسطيني أحمد ياسين).

عندما اكتشف علم النفس وجود "اللاوعي"، أخذنا ذلك في الاعتبار ولو على مضض، ورحنا نبحث في أحلامنا عن حقيقة رغباتنا أو سلوكياتنا التي لم نكن نحسن فهمها من قبل. 

كذلك عندما تطور علم الدماغ وجرى التمييز بين الدماغ المعرفي والدماغ العاطفي مع تأكيد علاقة الوثيقة بينهما، رحنا نتعاطى مع فكرنا ومشاعرنا بنسبية وبحذر، معترفين اكثر، بذكاء مشاعرنا وبـ"عاطفية" أفكارنا.

ماذا لو اضفنا إلى هذه النظرة إلى ذواتنا، الاقتناع بأن الكثير الكثير من خصال القرود، والكثير من خصائص النبات، هي في صلب تكويننا؟

إنها حقائق علمية:

أكثر من خمسة وتسعين في المئة من الجينات، هي مشتركة بين الانسان والقرد.

أكثر من ثلث الجينات هي مشتركة مع النبات.

لكنها حقائق علمية لا نوليها أهمية في العادة، كأن هناك ممانعة داخلية لذلك، مرتبطة إما بالدين وإما بنوع من الفوقية تجاه الكائنات الحية الأخرى.

ربما كان علينا أن نقتنع، لتقبُّل هذه الحقائق العلمية، بأن الانسان متحدر من القرد، أو بأن للإنسان والنبات أصلاً واحداً.

لكن الاعتراف بالجينات المشتركة بين الانسان والكائنات الحية الاخرى، لا يترتب عليه موقف من الإيمان بالله. فهذه اقتناعات يمكنها أن تتعايش بحسب اعتقادي.

أضف إلى ذلك ان الجينات ليست حتميات.

هي نوع من "الاندفاعات" تتفاعل مع البيئة التي يعيش فيها الكائن الحي.

فلنركّز اذاً من دون خوف، على هذه الحقيقة العلمية، ولنتساءل عن مغزى ذلك بالنسبة إلى علاقتنا بأنفسنا وبالطبيعة.

أليس جميلاً أن تنظر الى نفسك والى ما حولك، على أساس أن الكائنات الحية هي جزء منك، وأنك أنت جزء من هذه الكائنات الحية؟!

أنت الكائن البشري تحتضن في داخلك قرداً ونبتة، كما أن داخل كل قرد ونبتة كائناً بشرياً يشبهك.

أنت جزء من الكل، والكل جزء منك.

هذا أبعد وأعمق من "التكامل البيئي بين الكائنات الحية" الذي يتكلم عنه البيئيون.

إنه "تكامل بيئي داخل الكائنات الحية".

بعد اليوم، لن تنظر الى نفسك في المرآة كما من قبل. ولن يكون في مقدورك أن تقترب من الحيوانات ومن النبات من دون رهبة واحترام.

يمكنك بالطبع أن تطور هذا الموقف بحيث يكون له تأثير في مشاعرك وسلوكياتك بشكل عام. كأن تنمّي الخصال الجميلة لهذا القرد الذي يسكنك، أو أن تسقي هذه النبتة المزروعة في خلاياك، وتعتني بخصائصها.

اليك ببعض خصال القرود التي يمكنك تطويرها اذا أردت:

- الذكاء والحصافة و"الهضمنة" وحب اللعب والخفة والرشاقة.

- استخدام الجنس لمعالجة الصراعات والمشكلات. بمعنى آخر، الاعتناء بالجنس وعدم إهماله مخافة تفاقم المشكلات.

- ترك الأولاد يحلون مشاكلهم وخلافاتهم بنفسهم ومن دون تدخل الاهل، لجعلهم يكتسبون شخصية مستقلة.

- مصافحة الخصم وتقبيله بعد الصراع معه، ومن ثم التعاون معه على نزع "القمل" من على الاجساد.

اليك ايضا ببعض خصائص النبات التي يمكنك ان تعتني بها وتنميها في داخلك:

- الجمال والتلون والتعطر.

- العلاقة الخاصة العضوية بالضوء والمياه والأرض.

- التغذية والعلاج بالاعتماد على النفس وعلى ميكانيزمات داخلية.

- القدرة على التجديد.

- القدرة على التأقلم مع المناخات المختلفة.

- القدرة على مواجهة التعديات الخارجية (أكلة النبات، التغير المناخي، الملوثات) من خلال استيلاد وسائل دفاعية متناسبة مع مصدر التعدي.

ستحتار من وقت إلى آخر بين خصال القرد وخصائص النبات.

ولعلك ستفهم أكثر، لماذا تحب أحيانا البقاء حيث أنت كالنبتة، أو أن تبقى على حركة دائمة كالقرد.

وستكون مسروراً أن تكتشف أنك كبشري، وبالمقارنة مع القرد والنبتة، يمكنك أن تختار بحرية أكبر بين الثبات في ما أنت عليه، أو التغيير.

لكنك في الحالتين، ستبقى تحنّ إلى الاثنين معاً.

يمكن "العلوم الانسانية" أن تصبح اكثر انسانية وأكثر فاعلية، إن هي أخذت في الاعتبار في ما تطرحه من حلول للواقع الانساني، أن هذا الانسان يحتضن في خلاياه الكائنات الحية الأخرى.

فكما أنه من الخطأ تجزئة العلوم الإنسانية إلى علوم متخصصة ومنفصلة، يبدو أنه من الخطأ أيضاً، فصل هذه العلوم عن علم النبات وعلم الحيوان.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard