سيول نهر أبو علي وعصارة المكب والأقنية: بعوض وصراصير وجرذان وغياب لحلول جدية

29 حزيران 2018 | 15:05

المصدر: "النهار"

المسبح الشعبي في طرابلس.

لم يكن ينقص عوامل التلوث المتعددة والمتقاطعة الناجمة عن مجرى نهر أبو علي، ومكب النفايات، وسيول الصرف الصحي إلا ارتفاع حرارة الطقس، وإن كان دون المعدل في هذه الفترة من السنة، لكي تزداد وتتفاقم مؤثرات التلوث، وتنعكس سلباً على صحة المواطنين، والأبرز هذا العام الانتشار غير المعهود للبعوض، ومختلف أصناف الحشرات، التي وجدت في كل بؤر التلوث أعشاشاً خصبة للتكاثر السريع، بطريقة غير معهودة يطال أذاها كافة انحاء المدينة، وسط إهمال الجهات المعنية بمكافحته، ومن نتائج ذلك، ما يشكو منه المواطنون من ضرر وأذية.

"لم نكن نشعر بعقص (لسع) البعوض ليلاً نهاراً كما اليوم. مضى علي خمسون عاماً في المدينة منذ ان ولدت فيها، وكنا نعاني وجود البرغش صيفاً، والقليل منه شتاء، وكانت البلدية تكافحه بالرش العام، أو بمكافحة اعشاشه، وظل الوضع محمولاً. إلا أن ظاهرة البعوض هذا العام، فهي غير مسبوقة، وهي معروفة السبب، وأهمها وجود المكب الذي يبعث بروائحه إلى مسافات بعيدة تصل إلى خارج المدينة"، كما قال فادي قهوجي من سكان ابي سمرا.

ويفيد أحد أطباء الأطفال الدكتور بشارة عيد أن "ظاهرة البعوض غير مسبوقة، والسبب انتشار النفايات، وتكاثرها في غياب المكافحة، ومتى كان الانسان، خصوصا الطفل، متحسساً للبعوض، تفاقمت حالته، وهذا سبب ما يشكو منه المواطنون، وينتشر من أخبار على وسائل التواصل الاجتماعي".


ولا يستغرب عيد ظاهرة البعوض، ومختلف انعكاسات التلوث الكبيرة الموجودة في المدينة، ويصف معالجتها بأنها "باتت متأخرة".

من جهته، يصف رئيس بلدية الميناء عبد القادر علم الدين الوضع بالسيئ على طول شاطئ مدينته، خصوصاً في ما يتعلق بأقنية الصرف الصحي المنتشرة بكثرة على الشاطئ، و"خصوصاً منها قناتين تصبان في المسبح الشعبي، فتفاقم نسبة التلوث فيه، مما اضطرنا لاتخاذ قرار بلدي بإقفال المسبح".

ولا يتوقع علم الدين وقف المأساة قريباً، موضحاً ان "المشكلة كبيرة، ومتفاقمة، وتحتاج لسنوات"، معلناً إنه "بدأ تنفيذ قناة جمع السيول التي ستغطي كل الشاطئ الطرابلسي، وتجمع سيول مختلف الأقنية على الشاطئ، لتصبها في مصفاة التكرير الواقعة قريباً من مصب نهر أبو علي".

ويرتقب علم الدين أن يستغرق العمل في القناة ما بين سنة ونصف سنة وسنتين، والأموال التي يجري العمل بواسطتها في القناة مصدرها "صندوق التنمية الكويتي".


بدء العمل في القناة لا يخفف من المشكلة المتفاقمة راهناً، ووراءها أسباب عدة لم تعد خافية على أحد، وأبرزها مكب النفايات الذي وصلت أوضاعه إلى مرحلة الخطر والانفجار، مما حدا بفاعليات المدينة ونوابها الجدد، إلى عقد اجتماع طارئ، والبحث في سبل الحل، من دون التوصل إلى حل عملاني في الوقت القريب، بينما ما زالت النفايات تتوافد إليه، تزيد من ارتفاعه البالغ أكثر من ٤٢ متراً حالياً بينما لم يكن مسموحاً عند إنشائه أن يزيد على 28 متراً.

تزايد النفايات في المكب، وتزايد ارتفاعه، باتا يشكلان خطراً على المدينة، مما حدا ببعض تجمعات المجتمع المدني إلى الاعتصام ورفع الصوت إزاء الخطر المحدق بالمدينة جراء المكب، والذي باتت عصارته متفاقمة، وضغط ارتفاعه يزيد تشققات جدران دعمه، وآخرها انسلاخ ثالث منذ أسبوع أو أكثر قليلا.

والمعروف ان معالجة سريعة يتطلبها المكب تقضي بوقف تزايد النفايات عليه، وتفريغ غازاته، وإيجاد مصارف لعصارته تمنع انتشار روائحها، وانبعاثاتها، وتأمين بديل لتصريف النفايات.

مع العلم أن اتحاد بلديات الفيحاء اتخذ قراراً بإنشاء مكب جديد صغير قريب من الحالي، قال علم الدين- أحد أعضاء الاتحاد - إنه موقت يمكننا من إقفال المكب الحالي، ومعالجة نفاياته بالتدريج. 

لكن قرار إنشاء مكب جديد أثار حفيظة مختلف الفئات، وهيئات المجتمع المدني، التي رأت فيه حل المشكلة بالمشكلة عينها. لكن القرار اتخذ، و"اعطى مجلس الانماء والإعمار إشارة تلزيمه"، بحسب علم الدين.    


أسباب الملوثات

لم تعد خافية على أحد اسباب الملوثات الهائلة في طرابلس، وهي تتمثل في ثلاثة أسباب: مجرى ومصب نهر ابو علي، عصارة مكب النفايات والغازات المنبعثة منه، وأقنية الصرف الصحي على طول الشاطئ الطرابلسي.

في انحداره من مغارته "قاديشا" الواقعة في منحدر جبل المكمل بين مدينة بشري، ومنطقة الأرز، يعبر نهر قاديشا، الذي يصبح نهر "أبو علي" في طرابلس، العديد من القرى والبلدات في أقضية بشري وزغرتا والكورة، حاملاً ملوثاتها، ثم يعبر مدينة طرابلس، فيشكل مصباً لسيول الأقنية التابعة لبعض الأحياء المجاورة له، ولرمي النفايات، خصوصاً منها نفايات سوق الخضار، فيتحول المجرى إلى مكب صغير قائم بذاته.

يصب النهر سيوله بما تحتويه من ملوثات في نقطة ملتصقة بمكب النفايات الذي يرفد المصب بعصارته، فتتحول سيول النهر والعصارة إلى مادة لزجة تصب في البحر، مهددة حياته.

وعلى مقربة من الطرف الجنوبي لشاطئ الميناء، يقع المسبح الشعبي الذي تصب فيه دون توقف، قناتان لسيول الصرف الصحي لعدة أحياء من المدينة، ترفدان المسبح بالسيول الملوثة، والأمراض المختلفة.

وفي نقطة شبه وسيطة بين المصب والمكب من جهة، والمسبح الشعبي من جهة ثانية، يقوم قبالة بلدية الميناء حوض الصيادين المقفل بهدف صد الرياح، تصب فيه أقنية الصرف الصحي، وتتكثف محتوياتها في الحوض ليتحول مياهاً عكرة بصورة دائمة، ولا غرابة في القول- إلى مستنقع شبه مقفل.

وعلى طول الشاطئ، تنتشر الأقنية التي كانت، يوم أنشئت منتصف القرن الماضي، وما قبله، حلاً لسيول مدينة كانت لا تزال صغيرة مقارنة باليوم، وأقل عدداً، وكل واحدة منها امتدت أكثر من ستين متراً داخل المياه، وفق هندسة فرنسية أتى بها الانتداب في زمنه، ومع مرور الوقت، واستحداث الرصيف من بقايا ركام الأحداث أوائل الثمانينات، زالت المسافة الفاصلة بين طرف الاقنية، والشاطئ، وصارت السيول تصب منها على الشاطئ مباشرة، وأكثر ما يظهر ذلك بصورة جلية عند قناة الصرف الصحي قرب مدرسة مار الياس، آخر شارع بور سعيد.  


أمكنة عديدة تصب فيها سيول الصرف الصحي على شاطئ الميناء، تستنزف جماله، وتهتك احتمال تحوله إلى أحد أجمل المتنزهات، ومجال الاستثمار السياحي- البيئي، تنبعث منه الروائح الكريهة بصورة دائمة، بانتظار إنجاز القناة التي بدأ تنفيذها، وقد تستغرق سنوات لإنجازها.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard