السعودية... لماذا تأخرت القيادة؟

23 حزيران 2018 | 20:10

المصدر: "النهار"

عندما طلبت مني صحيفة النهار كتابة مقالة عن قيادة المرأة للسيارة في السعودية وضعتني أمام موضوع كنت أميل إلى تأجيل تناوله. السبب أنه موضوع بقدر ما يبعث على التأمل في أسبابه ومآلاته، وفي سياقه التاريخي، إلا أنه يبعث على الحيرة. فهو من ناحية موضوع شيَق يعكس تقاطع الاجتماعي مع السياسي في حالة المجتمع السعودي على نحو خاص. أما أنه يبعث على الحيرة فيضيف إلى جاذبيته، لكنه يتطلب ماهو أكثر من مقالة في صحيفة سيارة. 

تقاطع الاجتماعي مع السياسي تجاهله الكثير، إن لم يكن جميع من تناولوا المسألة دفاعا عنها أو وتبريرا لها، أو من إستغلوها لتصفية حسابات قديمة مع التيار الديني، أو مع السعودية كدولة وازنة في المنطقة. الأكيد أن تأخر قيادة المرأة السعودية للسيارة ليس المصدر الوحيد، ولا حتى الأهم الذي يبعث على الحيرة. نعم ليس هناك ما يبرر التأخير بمعايير المنطق، بما في ذلك المنطق الديني والمنطق السياسي. لكن المنطق لا يتفق دائما مع الواقع، ولا يفسره. هناك منبع آخر للحيرة، وهو أن قضايا أخرى أكثر أهمية وخطورة تم حسمها قبل وبعد قضية القيادة. بل إن القيادة، كحق طبيعي، تتفرع عن قضايا أصلية مثل التعليم، والعمل، وهما من بين ما تم حسمه مبكرا. السؤال: لماذا تأخر حسم الفرع عن حسم الأصل؟

خالد الدخيل.

قرار تعليم المرأة مثلا صدر في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز عام 1959. هذا مع ملاحظة أن هذا التعليم كان موجودا بشكل غير رسمي قبل هذا القرار. ينقل د. عبدالله الوشمي في كتابه "فتنة القول بتعليم البنات" قصة القرار الملكي عن الأميرة فهدة بنت الملك سعود. تقول الأميرة "طلب عدد من الأهالي الدخول على الملك لمطالبته بفتح مدارس للبنات (لإستيعاب) المزيد من الراغبات في التعليم". سمح لهم بالدخول. وعندما قالوا للملك ما أتوا من أجله، قال لهم "المشايخ معارضون. فقالوا له: ليأمر الملك بحضورهم على مرأى ومسمع منهم". وحضر المشايخ فعلا. وبعد أخذ ورد إنتهى الرأي بأنه لا مانه من تعليم المرأة. عندها صدر المرسوم الملكي بإنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات، وفتح المدارس في جميع أنحاء المملكة (الوشمي 2009، ص 28). تصاعدت المعارضة بعد القرار في خطب صلاة الجمعة، ومقالات في بعص الصحف. كلها تحذر بلغة إنفعالية من مخاطر تعليم البنات. وقد تم إستباق هذه المعارضة بوضع هذا التعليم تحت إشراف رجال الدين. اللافت أنه بعد وقت قصير من إنطلاق المدارس الرسمية أخذت المطالب تترى بفتح المزيد من هذه المدارس. 

وقد تطلب الأمر أكثر من أربعة عقود لإنهاء إشراف رجال الدين على تعليم البنات ودمجه مع وزارة التربية والتعليم. وهو ما حصل في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز، في آذار 2002 حسب ما جاء في مذكرات الراحل د. محمد الرشيد، وزير التربية حينها. ورغم تأخر الدمج فقد تعرض الرشيد كما يقول للكثير من العنت. من ذلك أنه كان يصلي التراويح في الحرم المكي وبجانبه شاب ملتح في مقتبل العمر.. يقول "فلما إنتهينا من الصلاة سألني الشاب: ألست أنت فلانا؟ قلت: بلى. قال: وهل تصلي التروايح؟!".


تعليم البنات في السعودية. أرشيف.


بعد قرار تعليم البنات أقر مجلس الوزراء مشروع إنشاء التلفزيون السعودي عام 1963، وبدأ البث في صيف 1965. قبل هذا التاريخ، وتحديدا في 1957 كانت شركة أرامكو قد بدأت خدمة البث التلفزيوني في شرق البلاد، وهو الأول في الجزيرة العربية والخليج، والثاني عربيا. اللافت هنا أن تعليم البنات والبث التلفزيوني حصلا في مرحلة كان المجتمع السعودي خلالها في ذروة محافظته الاجتماعية مقارنة بما إنتهى إليه بعد طفرة النفط التي بدأت مع سبعينيات القرن الماضي. ومع أن قيادة المرأة أقل خطورة من كلاهما معا، إلا أنها تأخرت حتى هذا العام، 2018!! لا تتوقف المفارقة هنا. في عام 2011 صدر ماهو أخطر بمعايير منع المرأة من القيادة والتحفظ على تعليمها، وهو قرار دخول المرأة مجلس الشورى، ومشاركتها في الإنتخابات البلدية تصويتا وترشحا، في عهد الملك عبدالله. وقرار الشورى تحديدا يعني أن الطريق بات ممهدا لمشاركة المرأة في عملية التشريع لحظة يصبح فيها المجلس ممثلا للسلطة التشريعية. أين هذا من قيادة المرأة؟ ثم كيف يمكن تسويغ منع المرأة من القيادة وهي عضو في الشورى، وقبل ذلك دخلت مجالات العمل في التعليم، والأكاديميا والطب، ..الخ؟!

مرة أخرى، لماذا تأخر حسم الفرع عن حسم الأصل؟ يعرف رجال الدين أن القيادة جائزة تماما، لكنهم يخشون أنها ستفتح أبوابا مغلقة. لذلك لم يحرموها بذاتها، وإنما ما قد تؤدي إليه وفقا لقاعدة "سد الذرائع"، أو أن ما يفضي إلى محرم فهو محرم. وهي قاعدة فيها من الخطل الشيئ الكثير. فهي تنزع الثقة في المرأة، مع أنها أكثر ميلا للتمسك بالقيم ومبادئ الأخلاق من الرجل. ثم إن المحرم يقع بالقيادة وبدونها. وقبل ذلك وبعده هي قاعدة تحرم المرأة من حق طبيعي لها. بعبارة أخرى، يعبر الموقف من قيادة المرأة عن خوف متمكن من التغيير وما قد يفضي إليه.

من جانبها لم تكن السلطة السياسية ضد القيادة، لكنها لم تكن متحمسة لفرضها أيضا. يؤكد ذلك أنه ليس هناك قانون يمنع المرأة من القيادة. حتى قوانين المرور لا تمنع ذلك. كان شعار الحكومة دائما أن هذه قضية تعود للمجتمع أولا. ولعل آخر من عبّر عن هذا الموقف كان الراحل سعود الفيصل. عندما سئل عن الموضوع قال: "عن نفسي.. أعتقد أنهن ينبغي أن يقدن السيارات. لكننا لسنا من يتخذ قراراً في هذا الشأن". وأضاف "بالنسبة إلينا.. ليست مسألة سياسية إنها مسألة اجتماعية. نعتقد أن هذا أمر تقرره الأسر.. أمر يقرره الناس، ولا تفرضه الحكومة". وهذا ملمح لسلطة محافظة تتفادى الصدام مع المجتمع عندما لا ترى مبررا أو مردودا لذلك. وفي هذا الموقف ذكاء سياسي للحفاظ على علاقة الدولة بالمجتمع. 

لكن الدولة هي الجهة الوحيدة التي تملك توفير الإطار القانوني والغطاء السياسي للخروج من المفارقة التي إنتهت إليها القضية. لذلك قد يعود تأخر حسمها في هذه الحالة إلى إختلاف الأجيال على مستوى الدولة والمجتمع معا. كان على هذه القضية إنتظار أن تؤتي سياسات التنمية والقرارت الكبرى أكلها، وأن يقترب الجيل الثالث للأسرة الحاكمة من سدة الحكم. وهو ما حصل مع بداية عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، ووصول الأمير محمد بن سلمان إلى ولاية العهد. توافق وصول هذا الجيل مع حقيقة أن أكثر من 75% من السعوديين في سن الشباب، وأن الأمية تراجعت إلى حوالى 6%. وتبين في هذا السياق أن ولي العهد الشاب جاء معه برؤية مختلفة وجريئة لسياسات الدولة، بما في ذلك السياسة الداخلية على مختلف الأصعدة. ومن بين ما طاله هذا الإختلاف موضوع قيادة المرأة والموقف منها. حيث حسم الأمر لصالح إعادة الأمور إلى نصابها. 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard