اكتشاف كنز صغير عمره قرن: هذه مفاجأة الأب الياس لحّود

22 حزيران 2018 | 15:32

المصدر: النهار

الاب الياس الخوري لحود.

لم يُعرَف من قبل. لم يُحكَ عنه، و"لم يُسمَع، ولم يُقرأ" قبل أن تُكتَشف مذكراته وتُنشَر قبل أسابيع. تلك المذكرات مفاجأة، كنزٌ صغير عمره نحو قرن. وجه على الغلاف، بالأبيض والأسود، من أيام زمان. نظراتٌ وراءها حكايات مضت وأسرار. لحية رماديّة مشذّبة استرسلت قليلا، ووسام مُستَحقّ على الصدر. أمامنا #الأب_الياس_الخوري_لحّود، الراهب اللبناني الماروني. ويُسعِد جدًّا #الاب_الدكتور_إيلي_قزي، استاذ اللاهوت المتفرغ في جامعة الروح القدس- الكسليك الباحث في تاريخ الحياة الرهبانية وروحانيتها، أن يقدمه اليكم، ويخبركم عنه.

تاريخ رجل وبلاد، كما لم يُقرَأ من قَبل. "بين جبل لبنان وجزيرة قبرص ذكريات راهب في #الحرب_الكبرى- الأب الياس الخوري لحّود"(*). في هذا #الكتاب الذي حقّقه وقدّم له قزي، "أوراق قليلة" تركها الأب لحود، مذكرات "مهمّة" يضيء بها "على واقع عاشه الرهبان في ختام القرن التاسع عشر، وعاشه بعض اللبنانيين في فترة الحرب الكبرى خارج لبنان، في جزيرة #قبرص". وتعزّزها مراسلات معه وجهتها اليه القنصلية الفرنسية في لارنكا (1919-1936)، و"تتعلق بتدابير عودة "اللاجئين" الى إرضهم، بعد نهاية الحرب".      

مصادفة جميلة 

الحرب العالميّة الأولى. المكان: #الماغوسّة (او #فماغوستا) في جزيرة قبرص. ويضع "أبونا الياس" في دفتره "ما علق في ذهنه" من تلك الحقبة الزمنية "بقدر الإمكان". وما أمكنه تذكره زبدة قيّمة لأحداث ووقائع غير معروفة من قبل، غير معلنة، غير مكتوبة قبلاً. ولم يجد قزي في الرهبانية اللبنانية المارونية "رديفًا لها"، على قوله. ومصادفة جميلة فقط وراء اكتشافه لها، قبل 31 عاما.

غلاف الكتاب.

عام 1987، كان قزي مكلّفًا إجراء بحث عن الأديار التي درس فيها الرهبان الدروس الفلسلفية واللاهوتية قبل انشاء معهد الروح القدس في الكسليك عام 1950. قصد دير مار سركيس وباخوس في قرطبا، حيث كان الرئيس العام السابق للرهبانية الاباتي شربل القسيس. وخلال الحديث معه، أخبره الأباتي انه يقرأ مذكرات الراهب لحّود، وانه حصل عليها من عائلته في البلدة. ولمعت فكرة في رأسه: "هل يمكن تصويرها؟" سألته. وهكذا "أخذتها وصوّرناها، وأعدتها الى الأباتي".  

بين اليدين، مخطوطان ما عرف قزي بأمرهما "لولا الحشرية العلمية ودوافعها"، على قوله. "هما كناية عن دفترين لاستعمال تلامذة المدارس. الأوّل يحوي 12 ورقة، 24 صفحة. والآخر 11 ورقة، 22 صفحة". وكلّها مكتوبة بخط اليد، يد "أبونا الياس". بدأ قزي القراءة، طابعا بنفسه المذكرات على الآلة الكاتبة. وكلما تقدّم فيها، أدرك ان هذا الراهب الذي لم يعرفه او يسمع به قبلاً، "مهمّ".  

رجل مرحلة عن جدّ. فـ"أبونا الياس"، وفقًا للقليل الذي تكشفه أوراقه والمراسلات الفرنسية معه، لم يكن متفرّجًا، ولم يَهوَ تكتيف اليدين، بل تدخّل، وصنع أحداثاً على طريقته، وغيّر مصائر بشر، منقذاً ومسعفاً وفاتحاً لأبواب صعبة... من دون معرفة كثيرين. "لم يقصّر مع حدا شو ما كان دينو". "أعمال رحمة" "لم يسعَ الى تدوينها"، على قول قزي. فالأب لحود كتب مذكراته "بناء على أمر من الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية يومذاك الاباتي اغناطيوس التنوري".  

"الخجول والهادىء"  

رشيق القلم هو. ابن قرطبا راهب "شغّيل، وذكي، وشاطر"، و"ان لم يستطع الانسجام مع رفاقه الرهبان"، على ما تبيّن مذكراته. صاحب شخصيّة قوية من دون شك، رجل محترم، وكلمته مسموعة، خصوصا في قبرص. هناك "حقّق انجازات" انسانية وروحية لم تكن في الحسبان، سرور الرهبانية ورهبانها، وفخر الجميع.

الاب الدكتور ايلي قزي قارئا في الكتاب خلال لقائه "النهار".

 مع الأب لحود (1870-1944)، نقرأ فصولا متسارعة من حياة راهب لبناني تعب وشقا، واشتغل كثيرا، ومشى كثيرا. عاند المرض، سهر وقاوم الصعوبات، وذاق لوعة أذى رفاق واضطهادهم واتهاماتهم، "حتى ضجرت روحي من الحالة التي كنّا فيها"، على ما يكتب. أوراق صادقة لرجل قرطباوي حرّ، صلب، عازم، مثمر. وكان ثمره سخيًّا.  

من السطر الأول، ندخل عالمه، ونتعرّف الى ذلك الولد "الخجول" "الهادىء" "المنزوي"، ابن عائلة "خوارنة" الذي تاق سرا الى ان يصبح راهبا لبنانية مارونيا. الابتداء، الترهب، وذكريات من تلك المرحلة: متعة التعليم في مختلف القرى قبل صدور أوامر المنع. ونعيش قلقه وكدره وانتظاراته، وايضا أفراحه. ويعبّر بعفوية، من دون تكلّف.  

لحظات يستعيدها كأنه يعيشها مجدّدا. السيامة الكهنوتية، تعيينات جديدة، تنقل بين الأديرة، مشي وتعب وتعليم الاولاد، خدمة في رعايا، وايضا معاكسات... ومرض عاوده كل فترة، لكنه عانده. وتبقى المحطة الفارقة في حياته انتقاله الى قبرص، بطلب منه، لخدمة الموارنة هناك. ووراء طلبه هذا "ضجر في نفسه" من أجواء فرضتها "حملة شنتها صحف لبنانية بين 1910 و1912 على الزيارة الرسولية على الرهبانيات المارونية الثلاث البلدية والحلبية والانطونية، واتهام رهبان بكتابة مقالات بأسماء وهمية، واجراء تحقيقات في الاديار شملت ممن شملتهم الاب لحود.  

صورة غير مؤرخة للاب لحود.

البابور  

نسافر معه الى قبرص في البابور في ايار 1913. لارنكا، نيكوسيا، كورماجيت، وصولا الى الماغوسة. وننطلق معه في العربة حينا، وعلى الحمار حينا آخر، والطرق صعبة وطويلة. ندق ابوابا، ونلتقي وجوها من ذلك الزمن. تبدأ الحرب، والأبونا في الماغوسة. وإلى هناك، وصل عشرات اللبنانيين، موارنة وغير موارنة. وكان في الانتطار.

"الأبونا" استطاع، بحكم توطيد علاقته بحاكم الجزيرة البريطاني والقنصل الفرنسي في لارنكا وقوّاد السفن المتوجهة الى مرفأ الماغوسة، "تدبير اللبنانيين الذي لجأوا الى قبرص في العمل مع جيوش الحلفاء والتطوع في صفوفهم"، على ما يقول قزي. ويروي لحود بنفسه "انه أدخل نحو 300 شاب في البوابير الفرنسية، وكثر منهم حازوا رتبا عسكرية ونياشين وميداليات بمعاش دائم..."، عدا عن تدبير عمل للنساء "في الاهتمام بثياب العسكر وترتيبها".     

روايات اخرى تغني مذكراته: واقعة اطلاق شاب لبناني بطلب منه، بعد سجنه بحجة السرقة، حكاية "المكتب السري"، وقصص الكومندان "الفرنساوي"، وفرقة المتطوعين اللبنانيين... انتهت الحرب، واستمر "الأبونا" في مساعدة اللبنانيين في الجزيرة. وتبيّن مراسلات القنصلية الفرنسية في لارنكا معه "الخدمات الجلّى التي قدمتها القنصلية، والدور الذي أدّاه لحود من اجل مساعدة العائدين الى ديارهم"، على ما يشرح قزي.  

صورة من مذكرات الاب لحود.

صورة من مذكرات الاب لحود.

65 رسالة بالفرنسية مجموع هذه المراسلات "المهمة جدا"، والتي "تعكس بوضوح المكانة التي تمتع بها الأب لحود يومذاك، خصوصا عند الفرنسيين في الجزيرة، ومقدار الاحترام الذي حظي به". كان الأبونا المعين الذي لا يُرفَض له طلب. ويكتب: "لا أتذكر أنّي رفضت أو خيّبت أحدا، ولا سألت أحدا ما هو مذهبك، ولا ما بلدك. بل كنت انظر الى حالتهم التي تفتت الاكباد. ومن كان بريب من كلامي، فليسأل كل الذين لاذوا بقبرص في ايام الحرب، من مسلمين ونصارى".  

تقديرا لخدماته، قلّدته فرنسا نيشانا عام 1922. في تموز من تلك السنة، "صدرت في الجريدة الرسمية الفرنسية تسمية الأب لحود Officier d’académie". عقدان في الماغوسة. ومن هناك، تقود الخيوط إلى انه "لم يترك لارنكا قبل ختام 1936". وتظهر آثاره في بلدته قرطبا ابتداء من 1937، "بصفته خادم كنيسة مار الياس". في 21 ك1 1944، أغمض عينيه نهائيا، وكان يبلغ 75 عاما.  

ثلاثة ارباع قرن على الغياب، ونحو 30 عاما من حفاظ قزي على هذه المذكرات بعناية. في الذكرى المئوية للحرب العالمية الاولى (1914-1918)، "آن الاوان لنشرها، نظرا الى اهميتها"، على قول قزي. كتاب جديد يضمه الى مجموعة أبحاثه وكتبه، ويخص فيه بالشكر السيد فتّان لحود، قريب الأب لحود، "لما سخا به من أوراق تخصه". 199 صفحة تجمع بين ضفتيها ذاكرة راهب فريد ومراسلات معه ومراجع وصور... اليكم الأب الياس الخوري لحود، "وفاء للذاكرة التاريخية".   

(*) كتاب "بين جبل لبنان وجزيرة قبرص ذكريات راهب في الحرب الكبرى- الأب الياس الخوري لحّود"، حقّقه وقدّم له الأب إيلي قزي، منشورات جامعة الروح القدس- الكسليك، 2018.

Hala.homsi@annahar.com.lb



ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard