2018 FIFA WORLD CUP RUSSIA™14 Jun - 15 Jul

الشغف الألماني: قليلٌ يكفي للحبّ الكثير

حزنتُ وانتقد أصدقاءٌ ما رأوه انزلاقاً نحو الحزن، هو في العادة تلقائيّ الحدوث في النفوس الهشّة، لا يحتاج إلى ذريعة. قالوا إنّ المسألة لا تستحقّ، وما مشاعر الأسى سوى مبالغات قد تبدو مضحكة. ما هي الأشياء التي تستحقّ؟ أحدٌ لن يجيب بأنّها خسارة #ألمانيا أمام المكسيك والبدايات المخيبة. سيعتبرون المسألة برمّتها انفعالات من الصنف المُضخّم العاجز أمام إقناع أحد. ما يستحقّ هو الداخل الإنساني المُعلّق بأيّ حبل، المُلقى على أعتاب الفرحة، لا المُمدّد في مجالاتها العريضة. #المونديال ذريعة لاستعادة مشاعر مفقودة ومحاولة البحث عن لحظات امتلاء. لهوٌ قادر على تقطيب الثقوب ومداواة الآه المتمادية في الأعماق. كرة القدم، فسحة البسطاء للإحساس بجدوى حياة مأزومة بالضجر. 

الشغف الألماني (أب).

إنّها مسألة مشاعر على صدام مستمرّ مع الخيبة، تجد في الفوتبول فكرة نجاة مُسلّية. لا أملك تفسيراً آخر للشغف حيال المنتخب الألماني، وهو شغف غير منظّم، مسوّغاته ضعيفة، ومنطقه مبعثر. يندم المرء على أيام ضاعت وعمر يركض بسرعة، وللندم أشكال منها قطع كلّ علاقة بالرياضة. تمرّ سنوات وكرة القدم خارج الحسابات والأولويات والحدّ الأدنى من العلم والخبر، ثم ينطلق المونديال فتفور الحماسة. لا تسل لماذا، إنه مزاج الإنسان. كيف يمكن تفسير ظاهرة أمثالي، لا يعلمون عن المنتخب الألماني سوى أنّ مدرّبه يواكيم لوف وأسماء لاعبيه أوزيل وسامي خضيرا وتوماس مولر. الآخرون؟ صفر معلومة. هل يكفي القليل للحبّ الكثير؟ على الأرجح، لا يحتاج الإنسان سبباً للإفصاح عن مشاعر حقيقية. ستخرج من تلقائها وتلتحق بذرّات العالم، حيث الصفاء الكلّي. حبّ الألمان ليس من الصنف الخاضع لشروط أو المحكوم بأسباب تخفيفية تتعلّق بقواعد الربح والخسارة. يتفوّق على الموقت فينا، للعبور المتألّق نحو الدفعة الواحدة. وهو في النهاية حبّ خارج الغائية وانتظار المقابل، يمنح الداخل ألواناً ويزرعه أزهاراً، ولا يبقى سوى الإحساس بدفء الشمس المشرقة. 

الشغف الألماني (أب).

ألمانيا مسرح الجبابرة، وعقول حوّلت الكراهية إبداعات بشرية. هل هذا سبب مُحتَمل للعشق؟ أمم كبرى أضاءت الإنسانية بمشاعل خلّاقة، ولم يهتف القلب لغير المانشافت. هم دون سائر منتخبات العالم، بالعزيمة والاصرار وصناعة الأمل. يُفرحون القلب حين يغادرنا كلّ ما يدعو للفرح. الخسارة الأولى ستصنع ربحاً بديعاً. سنفرح. سنعود إلى المنازل سعداء. أروع ما في الألمان إرادة البقاء.  

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard