حكاية فيلم مصري لا ممنوع ولا مسموح

16 حزيران 2018 | 16:11

المصدر: "النهار"

"آخر أيام المدينة" لتامر السعيد.

رغم مشاركته في أكثر من ١٤٠ مهرجاناً حول العالم منذ عرضه الأول في الـ"برليناله"، لا يزال "آخر أيام المدينة" (٢٠١٦) للمخرج المصري تامر السعيد محظوراً في بلده مصر، ولا يزال مخرجه ينتظر ان تدلي السلطات المعنية بالأسباب الحقيقية التي جعلت هذا الفيلم “لا ممنوع ولا مسموح”. عن خطر نمو الرقابة الذاتية داخل الفنّان وهاجس التجربة التي لا تكتمل اذا لم تجد حضناً لها في الوطن، وتأثير هذا كله على مستقبل السينما المصرية، وعن الكيل بمكيالين بعد تحرك لجنة السينما للاعتراض على منع “كارما” لخالد يوسف، في الآتي شهادة تامر السعيد الذي يروي بعض التفاصيل للمرة الأولى ولا يخفي خشيته من ان يصبح “مخرج الفيلم الواحد”.  

فيلم يحكي عن معاناة جيل عربي تائه.

فقدان البراءة

"لي طفلٌ في ألمانيا. أطرح باستمرار السؤال الآتي: أين أعيش؟ ما الأنسب؟ برلين فيها ابني. أنا ممتنٌّ جداً للحياة لأنها وهبتني نديم. عندما خرج الفيلم عام ٢٠١٦، بعدها بأشهر قليلة، وُلد نديم. عمره الآن عامان. أشعر انه أطلّ في حياتي كي يمدّني ببراءة جديدة، نوع من الإلهام المختلف، عقب تجربة الفيلم الماراثونية التي استمرت عشر سنين. بعد إتمام الفيلم الأول، شعرتُ انني فقدتُ شيئاً من البراءة، كوني أصبحتُ أكثر وعياً لأدوات الصناعة السينمائية. أنا محظوظٌ لأن نديم ظهر كي أسترجع هذه البراءة بطريقة ما. فعندما تشهد على كائن يقابل الحياة للمرة الأولى ويندهش بكلّ شيء يراه، فهذا ينتقل اليك كالعدوى. لذلك، أواجه معضلة "أين أعيش؟". ابني في برلين، ولكن قلبي في القاهرة، كذلك حياتي وأصدقائي وكلّ الأفلام التي أنوي صنعها. ومع منع الفيلم في مصر، ازداد إحساسي بأن الفرص في القاهرة أصبحت أكثر تعقيداً. برلين مدينة جميلة، ولكن تصويرها عندي ليس ملحّاً. أنهض صباحاً ولا أجدني في نوع العلاقة ذاتها التي تربطني بالقاهرة، علماً انه في القاهرة، ورغم كلّ التعقيدات والظروف، تهاجمني الأفكار ما إن أضع قدمي فيها. ليس في امكاني تصوير الأفلام في ألمانيا، لأن خيالي يتوقف ولا أعرف أين أضع الكاميرا. صناعة أي فيلم أمرٌ صعب، حتى وإن كنت تملك المال. وبالتالي، ما يساعدك على تجاوز الصعوبة هو ان تكون محتاجاً لصناعته، ان تطاردك ضرورة صناعته من داخلك وان تخاف ان تصبح حياتك جحيماً إن لم تنجزه. لولا ذلك، لما تحملتُ العذاب المرتبط بصناعة الفيلم".

تجربة لم تكتمل

"منع الفيلم يرتبط ببنية محددة لا علاقة له بالمجتمع المصري. هذه التجربة جعلتني أختبر أشياء جميلة. أشعر انني محظوظٌ؛ فالدعم الذي تلقيته من الكثيرين من داخل الوسط السينمائي وخارجه كان أكبر مما توقعت. كثيرون لا أعرفهم تضامنوا مع الفيلم، لكن للأسف أحداً لم يستجب. منع الفيلم كان أشد الأشياء ألماً التي حلّت بي في حياتي كصانع أفلام. الفنّ يتولد من موقف شخص يشعر انه غير متلائم مع محيطه أو حتى مرفوض. ولكن هناك شيء دفين يسمح له بالتواصل مع هذا المجتمع. ومن هنا، يولد الفنّ. في حالتي، تجربتي لم تكتمل. أنا أريد ان أتعلّم، ان أعرف أيّ فيلمٍ صنعتُ. أشعر ان تلقي الفيلم في مصر سيختلف تماماً عن تلقيه في أي بلد آخر. تجربتي غير المكتملة أشبه بنهاية علاقة حبّ لا تُغلق. فتشعر انك غير قادر على إقامة علاقة جديدة. دائماً أقول ان الفيلم ليس الذي ينجزه المخرج، بل الذي يشاهده الناس. أنا محتاج للتفاعل مع الجمهور المصري، وليس لأي دوافع قومية. علاقتي بتلقي الفيلم من خارج المدينة حصلت، ولكن لم أعرف كيف سيتلقى الفيلم سكّان مدينته. هناك انفراج لبعض المشاعر والأفكار لم يحصل. ثم هناك شيءٌ آخر: لكي أرتبط بمشروع ثانٍ، عليَّ ان أفهم كيف تلقى الناس فيلمي الأول. دوماً، لديَّ خوف ان أكون قد أنجزتُ فيلماً سياحياً، رغم المقالات النقدية الإيجابية التي كُتبت عنه. وهذه واحدة من مشكلات المنع، اذ لن تعرف البتة هل الصحافيون يكتبون تنديداً بالمنع أو دفاعاً عن الفيلم نفسه. مئات الناس، من المصريين والعرب الذين شاهدوا الفيلم في أماكن مختلفة من العالم، بعثوا لي برسائل عبر الـ"فايسبوك" والمايل. هناك قصّة خلف كلّ عرض، كأن يلجأ أحدهم مثلاً إلى تغيير موعد سفره كي تتسنى له مشاهدة الفيلم. حصل هذا أكثر من مرة. أو ان يتنقّل أحدهم من مدينة إلى أخرى لمشاهدة الفيلم. في الأخير، أخذ المنع جانباً طبقياً، بتُّ أخجل من فكرة ان الذي يريد مشاهدة الفيلم عليه ان يسافر. واذا لم يمتلك القدرة المالية، فلن يشاهده. ستفهمني اذا قلت لك انني بذلتُ مجهوداً كبيراً وأمضيتُ أكثر من سنة أشتغل على نوعية الصوت والصورة، لذا أرى ان مشاهدته على حاسوب غير مناسبة، وهذا ما أكّده لي مَن شاهده على شاشة كبيرة”.

ليس فيلماً سياسياً 

"تطلب إنجاز الفيلم عشر سنين، ولكن "دي سمعة سيئة". في الأخير، أعتبر انه أخذ الوقت الذي يحتاجه. في رأيي، كان انجازه مستحيلاً من دون خلق نموذج إنتاجي يصلح لتحقيق الفيلم. فجزء من التحدي كان ان نضع بنية تحتية تسمح بوجود فيلم كهذا. وهذا تطلب مجهوداً رهيباً. عندما انطلقتُ في المشروع، لم أتخيل انه سيتطلب كلّ هذا المجهود. ولو علمتُ منذ البدء انه سيحتاج هذا المجهود كله، لما خضته ربما من الأساس. في البدء، كنت أعتقد انه سيستغرق سنتين أو ثلاثاً.

خالد عبدالله في “آخر أيام المدينة”.


في حالتي، وفّر المنع أكبر دعاية للفيلم. اذا كان هدف القائمين على المنع ايذاء الفيلم، فهم لم يفعلوا الا مساعدته. تسألني لماذا المنع وما الخطر الذي يشكّله الفيلم؟ فهذا شيء لا أملك عنه أي جواب. لا أرى، من وجهة نظري، ما يستدعي المنع. فيلمي عن شخص يشعر بالغربة في مدينته، وفي ذلك مستويات متعددة من ضمنها المستوى السياسي، كأي فيلم في العالم يحتمل قراءة سياسية، لكنني لا أعتبره فيلماً سياسياً. لكن العلاقة هذه مركّبة جداً داخل السلطة المصرية".

معركة مع مهرجان 

"يوسف شريف رزق الله شاهد الفيلم في برلين، شباط ٢٠١٦، وهو رجل يُعتبر مرجعاً في المهرجانات الدولية. حتى شهر تموز من العام نفسه، لم يجرِ المهرجان أي إتصال بي. حصل تواصل مع مهرجاني دبي وقرطاج اللذين كانا طلبا الفيلم غداة عرضه في برلين. وصلني الكثير من الدعوات، ربما من ٤٠ أو ٥٠ مهرجاناً في العالم، بعد عرضه في برلين. في الشهر السابع، تواصل معي مهرجان القاهرة وسألني اذا كنت أقبل ان يشارك الفيلم في المسابقة، فقلت اني لا أقبل فحسب بل أتمنى ذلك. ثم كلّمني يوسف شريف رزق الله، وباركني على كثرة المهرجانات التي شاركتُ فيها. شرح لي انه يريد الفيلم شرط ان يكون العرض الأول في الشرق الأوسط، فوافقتُ. في الصباح التالي، تلقيتُ دعوة رسمية، وخلافاً للعديد من المهرجانات التي توضح شروط المشاركة، لم تذكر رسالة الدعوة أي شرط. أخبرت إدارة مهرجان القاهرة لاحقاً ان للفيلم مشاركات كثيرة في مهرجانات، ولكن لم يصلني أي تململ أو تحفظ. فجأةً، في نهاية الشهر التاسع، كلّمني رزق الله وطلب مني ان أخفف المشاركة في المهرجانات الدولية، لأن كاملة أبو ذكري التي تفتتح القاهرة بفيلمها "يوم للستات" متضايقة جداً. فأبلغته بأنني ملتزم بعض المهرجانات التي تُقام بعد أيام قليلة ولا أستطيع سحب الفيلم، لكني وعدته ان لا أقبل المشاركة في المزيد، حتى موعد عرضه في القاهرة. وفعلاً، اعتذرتُ من ٣ أو ٤ مهرجانات. بعد أيام، تلقيتُ رسالة من ماجدة واصف تبلغني بأنني خارج المهرجان، فاتصلتُ برزق الله الذي قال لي انه عند الطبيب وسيكلمني في اليوم التالي، وإلى الآن لم يصل هذا اليوم، ولم يرد على اتصالاتي اللاحقة. قامت حملة، وقّعها عدد كبير من السينمائيين في مصر، من داود عبد السيد إلى يسري نصرالله فمجدي أحمد علي وعلي بدرخان الخ، يطالبون المهرجان بإعادة الفيلم، ولكن لا حياة لمن تنادي، لقد جُبه طلبهم برفض قاطع. وتم تجاهل كلّ اقتراحات عرضه خارج المسابقة. طبعاً، أدركتُ ان القرار أكبر من المهرجان، لكنني قررتُ ان أبقي المعركة مع المهرجان، لأن هذا ما كان معلناً. ثم تقدّمنا بعريضة وقّعها كوستا غافراس وفولكر شلوندورف وآكي كوريسماكي والأخوان داردن وبيلا تار، بالإضافة إلى مبرمجين من كانّ والبندقية وبرلين. بعضهم ألغى حضوره في القاهرة نتيجة هذا القرار. الأنكى انهم ظلوا يقولون ان الموضوع ليس له علاقة بالرقابة والفيلم ليس ممنوعاً. بعض الزملاء الذين كنت أعتبرهم من الأصدقاء وقفوا مع المهرجان واعتبروا انني أزايد وأحاول ان أخلق مشكلة من لا شيء وأقوم بـ”شو" إعلامي".

تامر السعيد.

ممنوع؟

"في كانون الثاني ٢٠١٧، شاهدت الرقابة الفيلم وطلبت مني حذف جملة واحدة من شريط الصوت وهي "يسقط يسقط حكم العسكر" التي هي جزء من مشهد لمظاهرة حصلت في ٢٠١٠، أي قبل الثورة. كان هذا طلبها الوحيد ليمر الفيلم. كون الفيلم تنتهي حوادثه في ٢٠١٠، وقد سقط نظامان منذ ذلك الوقت، فالرقيب يتكلّم عن نظام مختلف عن الموجود حالياً. حتى اننا لا نصل في الفيلم إلى ثورة يناير. بعد مفاوضات طويلة، قررنا ان الفيلم أهم من الجملة، خصوصاً انني كنت تعبتُ وأرهقتني المعارك التي لا تنتهي، اذ لا توجد ماكينة خلفي، وكنت أقوم بالعمل كله وحدي، من ضمنه المشاركة في المهرجانات. كانت طاقتي قد استُنفدت. لذا، قررنا معاً كفريق عمل قبول قرار الرقابة. حذف الجملة كان يعني انه عليّ ان أسافر مجدداً إلى فرنسا لتصليح الميكساج. سألتهم إذا كان طلبهم هو آخر المطاف فأكدوا لي أنني سأحصل على تصريح العرض فور الحذف. استدنّا المال لنجري الحذف وكانوا يعلمون ذلك. شاهدوا الفيلم مجدداً وقالوا لي "كده تمام". ولكن، عندما طلبتُ اليهم إجازة عرض، بدأوا يماطلون ويطلبون أوراقاً جديدة باستمرار، وفي كلّ مرة يقولون ان هذه آخر ورقة يطلبونها. في الأخير، طلبوا مني وثيقة تنازل من الموسيقيين المقيمين في ألمانيا على ان يحصل التنازل في السفارة المصرية في برلين ويتم تأكيده في الخارجية، ومع ذلك استخرجتُ تلك الوثيقة، لكنهم توقفوا عن الرد على رسائلنا. منذ فترة قصيرة، تواصلنا معهم للمطالبة بورقة تؤكد منع الفيلم. ولكن يبدو ان طريقتهم هي ان لا يُقال لنا لا نعم ولا لا. في النهاية، لم يبق أمامي إلا رفع دعوى قضائية. رفعنا الدعوى نهاية العام الماضي أمام محكمة القضاء الإداري، ومن حينها يتم تأجيلها من جلسة إلى أخرى”.

أجمل ليلة في حياتي  

"عُرض "آخر أيام المدينة" في أكثر من ١٢٠ مهرجاناً حول العالم. شهد الـ"برليناله" تسعة عروض وكانت كلها مليئة، وكذلك بالنسبة إلى معظم العروض الأخرى في العالم. العرض البيروتي كان الأعظم. نتيجة سحبه من مهرجان القاهرة، لم يُعرض الفيلم في أي بلد عربي، لأنني كنت اعتذرتُ عن عدم المشاركة في كلّ المهرجانات العربية الأخرى كي يُعرض أولاً في القاهرة. كنت أتابع حضور زملاء لي إلى المهرجانات العربية بأفلامهم وأشعر بغصّة. جائزة مهرجان القارات الثلاث (نانت) في تلك الفترة أفرج إحساسي قليلاً. العرض في "أيام بيروت السينمائية" لعله أجمل ليلة في حياتي. الصالتان في "متروبوليس" اكتظتا بالناس. كانت الطاقة في الصالة رهيبة، كذلك استقبال الناس للفيلم. أول مرة تحدّثتُ فيها عن الفيلم بالعربية أمام جمهور يفهم لغتي ويعيش ما يحدث في بلادنا. وهذا شيء هزّني، فلم أكن مضطراً إلى شرح السياق الذي يجري فيه الفيلم".

ليلى سامي في “آخر أيام المدينة”.

السينما علاقة بالحياة

"الأفلام لا تثير الخوف، بالعكس هي تمنح الصدقية للأنظمة أكثر ممّا تضرها. أقصد وجود التنوع في المشهد. اليوم، ليس لديّ فكرة عمّا سأفعله. طبعاً، أنا محبط. أنجزتُ هذا الفيلم نتيجة تراكم خبرات سابقة، لم آتِ وأبتكر شيئاً من الفراغ، هناك تجارب أدين لها حتى لو لم أكن معجباً بها. لذلك أشعر بنوع من المسؤولية تجاه الوسط السينمائي. أنا أرتكبتُ أخطاء خلال عملية إنتاج الفيلم فأريد ان أتشاركها كي لا يقع فيها غيري. النجاح بالنسبة لي هو ان أتعلّم، وان أشعر ان هذه التجربة جعلتني إنساناً أكثر وعياً بما يدور من حولي وأكثر إتساقاً مع نفسي.

الجو السائد حالياً في مصر يمنعك من ان ترى القادم. الجو مربك. هذا يخلق الخوف على المستويات كافة. هناك أسئلة مهمة يمكن طرحها في جوٍّ كهذا: هل ثمة مشهد سينمائي في مصر؟ وهل هذا المشهد مدركٌ لمصالحه؟ ما موقفهم مثلاً من منع الفيلم؟ هل ثمة ادراك ان قبول هذا الوضع يحوّل المنع إلى شيء عادي؟ باختصار، هذا وضع سيطال الجميع.

السينما عندي هي علاقة مع الحياة، محاولة لفهم السياق الذي نعيشه، وبحث عن تحديات داخل اللغة، وهذا شيء يحدث بالتراكم. منذ فترة، بدأتُ أشعر ان الصور صارت تهاجمني. أنا بطيء، ولكن أعتبر نفسي سريعاً (ضحك). قياساً بطموحه والظروف التي أُنتج فيها، "آخر أيام المدينة" أُنجز بسرعة".

تحدي الفيلم الثاني 

"نعم، أخشى ان أتحوّل إلى "مخرج الفيلم الأوحد". وأعتبر ان الثاني هو الأصعب. كثر هم السينمائيون الذين ينجزون فيلماً أول جيداً، ولكن قلة هم الذين يخرجون فيلماً ثانياً جيداً. أولاً، لأنك تفقد براءة الفيلم الأول و"سذاجته". ثانياً، تعي الفيلم المطلوب منك، وهناك في داخلك هاجس يعي خطر الاذعان إلى إنجاز الفيلم الذي يتوقعه الآخرون منك، كونه أكثر أماناً لك. قدرتك على مغادرة حيز الأمان تتضاءل، وخصوصاً اذا نجح فيلمك الأول.

تسألني اذا "آخر أيام المدينة" غيّرني؟ بالتأكيد. كثيراً. لقد أصبحتُ شخصاً آخر. عندما تبدأ في العمل تكون مدركاً ان المسافة بين خيالك وما تستطيع تحقيقه كبيرة. وأنت تعمل، يخال لك أنك أخذتَ موعداً مع الفشل. كلما اشتغلتَ شعرتَ أكثر بهذه المسافة. في لحظة، تشعر انك لم تنجز الفيلم الذي في خيالك، لكنك أنجزتَ أفضل ما يمكن انجازه. وهذه اللحظة لحظة جميلة لأنها تجعلك تعرف حدودك وتفهم أشياء عن نفسك. هناك لقطة في "آخر أيام المدينة"، كنت أعتبرها أجمل لقطة صوّرتها في حياتي، وعلى مدار سنوات، حاولتُ ان أبقيها في الفيلم، والفيلم انتهى في اللحظة التي حذفتُ فيها تلك اللقطة. اذا سألتني اليوم ما هي السينما، فسأقول لك تلك اللقطة هي تعريفي للسينما لكن تحقيق الفيلم كان يطلب ان أضحّي بها.

في الأخير، لا يوجد فيلم يُمكن منعه. العالم تجاوز هذه النقطة منذ فترة طويلة. ولكن، هناك خطر يدهمنا، نحن صنّاع الأفلام، يتمثّل في أن نبدأ بالتفكير في أسباب المنع، وهذا سيخلق مع الوقت رقابة ذاتية. يجب مقاومة فكرة الرقابة الذاتية”. 

وحدة عربية.

الكيل بمكيالين

“تابعتُ أزمة فيلم "كارما" لخالد يوسف، وهذا شيء غريب جداً لأن المنع استمر ساعات ثم تم التراجع عنه، اثر ضغوط اعتقد ان أبرزهااستقالة لجنة السينما. لستُ مطلعاً على حيثيات الموضوع، لكنياستبعد ان تكون المسألة مقصودة بهدف الدعاية. في رأيي ان التساهل مع ما حلّ بـ"آخر أيام المدينة" يمهّد الطريق إلى المزيد من الممارسات المشابهة، فهذا الوضع سيطال الجميع من دون تفرقة بين سينما مستقلة وغير مستقلة. هذا تكريس للمنع وتكريس لقبوله. الغريب انه لم يمر وقت طويل قبل ان يعاني فيلم آخر من أزمة، فيلم ينتمي إلى السينما التجارية. طبعاً، قرار المنع والعودة عنه بهذه السرعة يشيران أيضاً إلى شبكة المصالح التي خلف فيلم مثل "كارما"؛ هناك إنتاج ورأسمال مستعدان لخوض معارك لحماية مصالحهما، وهذا ما لم يحصل في حال "آخر أيام المدينة". الا ان الموقف المحيّر جداً هو ذاك الذي اتخذته لجنة السينما التي لم أكن أعرف كلّ أعضائها. هي استقالت بعد ساعات معدودة من انتشار خبر المنع وأصدرت بياناً اعتراضاً على هذا القرار. عندما طالعتُ أسماء أعضاء اللجنة، فوجئتُ بأن معظمهم يعرف بأزمة "آخر أيام المدينة"، وبعضهم أبدى تعاطفاً شديداً وعبّر عن رفضه لقرار الرقابة، الا ان اللجنة لم تتخد حينها أي مباردة. وهنا أطرح علامة استفهام حول الانحيازات المبدئية للجنة وإلى أي مدى الأعضاء متسقون مع أنفسهم عندما يأخذون قراراً بالاستقالة الجماعية من أجل فيلم، خلفه منظومة كبيرة تحميه، في حين يتخلون عن واجبهم الواضح في حماية فيلم مستقل”. 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard