2018 FIFA WORLD CUP RUSSIA™14 Jun - 15 Jul

كرة القدم... الحياة اختراع

  • ملاك مكي
  • المصدر: "النهار"
  • 13 حزيران 2018 | 22:56

لم أشجع فريقاً رياضيّاً يوماً. لم أحمل الأعلام ولم أرسم علماً على وجهي ولم ألوّن شعري. غير أنني، وفي كلّ مرة أشاهد في كرة القدم على هامش المصادفة، أدرك أن الحياة اختراع. يخترع الإنسان لعبة، فيخترع حياة. يركض اللاعبون، يتابع الملايين المباريات، يتحمّس البعض ويصاب البعض الآخر بخيبة أمل. يسافر البعض لحضور مباراة، بينما يتابع الآخرون الحدث من خلف الشاشات، تعقد الصفقات، ينقسم الأشخاص، يصرخون ربّما، يزيّنون وجوههم وشرفاتهم المنزلية، ويرفعون الأعلام على سياراتهم، ويتجادلون، ويدافعون، ويتحمسّون، ويركض اللاعبون في الملعب ويسددون الهدف. اللعبة اختراع حياة، ولكن الحياة ليست بلعبة.  

أصادف بعض الأصدقاء، يتحمسّون بشدة لفريق ما، يدافعون عنه، يشجعونه، يحبون لاعبيه، يتعصبون لهم، وقد يذرفون الدموع... فأدرك أكثر أن الحياة فكرة. لا يعرف أصدقائي اللاعبين، ولم يصادفوهم يوماً، ولا تربطهم بهم اي علاقة صداقة أو أخوة، غير انهم يحبونهم، ويتمسكون بتشجيعهم، فالحبّ فكرة، حاجة لفكرة. نحتاج نحن الاشخاص ان نشجع فريقا، أن نكون طرفا، أن نتمسك بفكرة تعطي لنا وجوداً. كيف لنا أن نكون موجودين ان لم نتمسك بشيء، بأمر، بفكرة، بفريق رياضي. كيف لنا أن نكون موجودين إن لم نحب طرفاً ونشجعه، إن لم نبحث عن خيط ما يربطنا بآخر، بما يدور حولنا. اللعبة خيط يربطنا بشيء آخر، بما يدور أبعد من حدود جسدنا. فنصبح موجودين، لنا مساحة أكبر من أطراف جسدنا، نحن موجودون.

يدرك اللاعبون إمكانية الخسارة والربح، اللعبة خسارة فريق وفوز آخر. ومنذ اللحظة التي يبدأ وعينا بالتشكّل، نحاول أن ندرك، نحن الأحياء العاديون، أننا سنخسر حيناً، ونربح أحيانا. لن نخسر دائما في الحياة، ولن نربح دائما. ولذا، بدل أن نفكر ان الحياة صراع علينا الفوز به، ربما من الجميل أن نؤمن أن نهاراتنا لعبة، قد نخسر حيناً ونربح أحياناً أخرى. ولكن الحياة ليست بلعبة.

الملعب واسع، الأجساد تركض، ويسيل العرق على الأكتاف. أحبّ هذا المشهد. وكأن جميع الشر الذي يمكن أن يضمره الانسان ليتفجّر في حرب أو معركة، تفرزه الأجساد عرقاً، فتنطفئ الحرب ويسود السلام. أقول في نفسي إن كان الأتراب يركضون في الملاعب منذ صغرهم، وان كانت الملاعب واسعة، خضراء، مجانية، فكيف لهم ان يحملوا سلاحا أو متفجرة؟

لم أشجع فريقاً رياضياً يوماً، ولم أحمل علماً...لكنني أتمنى ان اصرخ فرحاً وحماسة في نهائيات هذا المونديال، فأكتشف أن الحياة لعبة.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard