وجدتُ نفسي أعتذر من سليم

13 حزيران 2018 | 14:31

سيارة (تعبيرية).

في حياتنا تمر لحظاتٌ تحمل دروسا وعبراً، وفي أحيان كثيرة، نتعلمها من أبسط التجارب، إلا أنها تترك في نفوسنا أثرا يبقى ما حيينا.  

بداية ذلك اليوم لم تكن على خير ما يرام. إلا أن التجربة التي أعقبتها، دفعتني إلى اعادة النظر في كثير من الأشياء التي كانت تؤرق يومي وتعكر صفو مزاجي.

أزعجني كثيراً تعرضُ إحدى عجلات سيارتي لثقبٍ أفقدها توازنها، وأخلّ بجدول التزاماتي.

ما إن توقفتُ لأصلح ذلك العطل أمام أحد المحال، حتى هرع شاب في أواخر العقد الثاني من عمره ليسأل عن الخدمة التي أتيت من أجلها. طلبتُ أن يفحص العجلة، فباشر احضار ادواته مسرعاً، في حين انشغلتُ بمتابعة بعض الاتصالات التي سرعان ما أنهيتها.

المشهد فطر قلبي.

طفل لا يتجاوز التاسعة من عمره، راح يجهد نفسه ويحمّلها ما لا طاقة لها به، محاولاً تحرير العجلة من مكانها، تلبيةً لتعليمات ربّ عمله!

كم كان مريعا ذلك المشهد.

احمرّت وجنتا الطفل وهو يعالج دولاب السيارة، وأخذ يتصبب عرقاً، فيما كانت أنّاته تخترق جدار الصمت الذي ساد من حولي على رغم الضجيج وأصوات الباعة وأبواق السيارات التي تملأ المكان.

أخذني ذلك المشهد الى مكان بعيد.

تفتحت جوارحي، وطافت خواطري في عوالم مثالية تسودها الرأفة والرحمة والعدالة، التي طالما حلمتُ بتحقيقها وعيشها على ارض الواقع، مدفوعةً بالحاجة الى الابتعاد عن تلك المأساة، وما يلفّها من تجاهل على كل المستويات.

لا أظنني أبالغ في الوصف.

صحيح أن المشهد ليس بجديد، لكن النظرة التي اختصرتْ وجه الطفل سليم، حفرتْ في مخيلتي ووجداني!

على رغم الجهد الذي كان يبذله، كان سليم مرتبكاً وخائفاً من أن يفشل في مهمته.

أتراها كبرياء "الرجولة" التي سابق الزمن ليعيشها، مختصراً من حياته أبسط ما يستحقه من عناية ورعاية وطفولة حقّة، ليغدو ذلك الرجل الصغير الذي لا يرضى أن تنكسر هذه الكبرياء؟!

أحقاً هو يدرك معنى الكبرياء والأنفة، أم أن عليه أن ينجح في عمله، بأيّ ثمن، كي يعود الى منزله في المساء حاملاً بيده ما يقيم أوده ويعيل أسرته؟!

لكن سليم ليس الوحيد.

بعيداً من واقع هذه الحالة، ومن واقع المناسبات العالمية لمكافحة عمل الاطفال، بكل أبعادها الاجتماعية والانسانية والاقتصادية وحتى الثقافية، ثمة مأساة اجتماعية كبرى يرزح تحتها عدد كبير من أطفالنا بسبب الحاجة والفقر والفاقة من جهة، وبسبب وقوع عدد كبير آخر منهم، ضحية تجار الحروب والبشر، تجار الجشع وانعدام الاخلاق!

هناك أعدادٌ لا يستهان بها من الأطفال - العمّال، أضحت تشكل ظاهرة خطيرة المفاعيل؛ ظاهرة اتسع مداها على مدار السنوات القليلة المنصرمة لتغدو أحد الأوجه المظلمة لتخلف مجتمعاتنا، ما يستدعي حقاً قرع ناقوس الخطر، لما تحمله من آثار سلبية بعيدة المدى، تمس الاسرة والمجتمع والمستقبل على حدٍّ سواء.

"بدِّك ساعدك بشي تاني؟"، كلمات بسيطة قالها لي سليم ببراءته العميقة، بعدما انهى عمله، أعادتني الى مرارة الواقع وقسوته.

وجدتُ نفسي اعتذر منه، وأشكره، وفي عيني صورة جديدة لأحد أوجه المعاناة البشرية التي توجب على كلٍّ منا ان يقوم بدوره ويضيء شمعة في هذه الظلماء.

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard