جنونٌ لأسباب سياسية

9 حزيران 2018 | 10:00

المصدر: "النهار"

لا أحد يتنفس (تعبيرية).

حرُّ هذه الصائفة خانقٌ، لا يُطاق. لا أحد يتنفس. عند الظهيرة، هرعت إلى فيراندا بيتي، المطلة على البحر المُلوَّث، حتى أكسب ولو سُويعة استرخاء. سقط رأسي المنهك على الوسادة، وتمددت آمِلاً في إغفاءة تنسيني ضغوط الشغل المَقيت. لم تمض دقائق معدودة حتى أطل معتوه البلدة "مفتاح".  

- مرحبا بك مفتاح. آيش جاء بك في هذا الحرّ القاتل؟ دعني أقيِّل.

- مرحبًا أسعد. جئت لأمرٍهام. لولا أهميته ما قَدِمت في مثل هذا الوقت.

 يعرف أهالي بلدتنا أنَّ مفتاحا معتوه خالصٌ. تعودوا على نوباته من سنين. في الصيف، يَبيع الفولَ المَقلي بعد العصر. يجوب الشوارع بِقُفَّتِه الصغيرة. مقدار كوب شاي فولاً بمائة مليم. يَضحك مع الناس ويَضحكون منه. تدور نكاتهم الساخرة حول معتوه البلدة الثاني. وبعد أن يُفرِغ قفته، يسارع إلى حفلات الأعراس مصاحبًا الفرقة النحاسية، راقصًا بين صَفَّيْها. في سائر فصول السنة، يشهد الجنائز، ويعدد مناقب الموتى. في المساء، يطوف بين المقاهي لبَيع البيض المسلوق.

بدا لي مفتاح هذه المرة مختلفا عما عهدته. كأنه في أتم مداركه العقلية. هل أعاد إليه الحر عقله؟ هل افتقده يومًا؟ ما الذي ينوي فعله؟

-أسعد. سأبوح لك بسر لا يعرفه أحد. في الحقيقة، أنا لست معتوهًا. أتصنع الجنون لأسباب سياسية.

- ماذا تقول يا مفتاح! جنون لأسباب سياسية؟ أهذه طلعة من طلعاتك الجديدة؟ لا تجنني معك. يكفي البلدة مجنونان. فيهما بركة وزيادة.

- كنت طفلا عاديا. نشأتُ في بيتنا المتواضع مع إخوتي. وذهبت إلى المدرسة كأقراني. أحب وطني وأتأثر عندما نؤدي تحية العَلَم كل صباحٍ، على أنغام النشيد الرسمي. لما بلغت الخامسة عشرة، مات أخي في ظروف غامضة، بعد أن اعتقلته الشرطة المختصة. صدمتني وفاته المفاجئة. كلُّ جُرْمِه أنه حضر درسًا قيل إنه سرِّي. نظمه وقتها أستاذ الفلسفة في بيته وشرح فيه أقصوصة "الملك"، لزكرياء تامر. كان اقتياد أخي وثلاثة تلاميذ من المعهد مشهدًا مرعبًا. حاولت أن أنسى غيابه. في الأشهر الأولى، بكيت كثيرًا لفقدانه. ثم التجأت إلى الضحك والإضحاك. وتوالت زياراتي لطبيب الأعصاب. أعجبتني اللعبة: أُضحكُ الناس ويضحكون مني. أكسب شفقتهم، وقد يمنحني أحدهم بضعة مليمات.

- أهذه لعبة؟

- نعم. قاسية. فقد انقطعت عن الدراسة بسبب الأدوية القوية التي منعتني من المواظبة. ما نسيت وفاة شقيقي وظروفها الغامضة. أدمنت على حيلة العَتَه التي صارت تسعدني، وتشكل مصدر رزقي. ولولاها ما بعت فولاً ولا بيضًا. هل تدري لمَ اخترتكَ أنتَ لأبوح بسري؟

- لا يا مفتاح. بالضبط، هذا ما أتساءل عنه الآن.

- أعرف أنك تعمل في إذاعة عربية. ماذا لو اقترحت على زملائك القيام بتقرير صحفي حول علاقة المجانين بالمخابرات. هل تعلم أنَّ نصفهم يعلمون جواسيس لصالح الدولة ويمدونها بالتقارير. جل المجانين عُقلاء يخدمون "اللجنة".

- مهنتي في الإذاعة معلق رياضي. لا شأن لي بصحافة الاستقصاء ولا بقسم السياسة. لا أفهم شيئا خارج الرياضة.

- أسعد. هذه ليست سياسة. هذا تاريخ. لا بد من فضحه. لما بلغت العشرين، اتصلت بي "اللجنة"، كلفتها شعبة الحِزب بطلب المساعدة مني على تلقط أخبار اجتماعات "أحباء المكتبة والكتاب"...

- "لجنة" من الشعبة؟ كيف أجبتها؟

- بتصنع الجنون طبعًا. وعدتني بتوظيفي صبيا (ديليفرير) لدى متجر لبيع الفواكه الجافة حتى أدخل بيوت الناس وأتلصص على أخبارهم. أغرقت في ضحك مصطنع. هددني أحدهم بمنعي من المشاركة في الأعراس. أغرقت في الضحك أكثر فأكثر. "وإلا سيكون مصيرك الحبس في مَصحة عقلية"، أضاف حانقًا. أنا مسجون في مصحة مع المجانين الحقيقين؟ مستحيل. زدت من حدة الضحك والهذيان. تَركتني اللجنة.

 - أولاً، لا يدخل هذا الموضوع في نطاق عملي الرياضي. ثانيا، لا أريد أن أتورط. أنا أيضا زارتني اللج.....

- بعد سنتيْن، اتصلت بي اللجنة من جديد. هذه المرة، حضر معها طبيبٌ. بدت مُصرَّة على توظيف الجميع ضد الجميع، وتسليط أي مواطن ضد أي مواطن. أرادوا التأكد النهائي من استيلاء المرض على أعصابي. أحسست بالخطر. بالغت في القهقهة الهستيرية. استحضرت أجمل نوبات جنوني. تفانيت في استخدام مواهبي، كأصدق ما يكون معتوه. أسعفتني صورة أخي مقتادًا في إقناع "اللجنة" بصدقي. كنت أقهقه وأستعيد جنازة أخي، بعد أن مُنِعنا من إشهارها. كاد ضحكي أن ينقلب نحيبًا وأستسلم. تماسكت بشدة.

- لحسن حظك يا مفتاح. ما كل مرة تسلم الجرة مع هؤلاء. الموضوع حساس. أنا أيضا ورائي عائلة.

- آلة القمع لديهم لا ترحم. تعود اللجنة كل سنتين لمعاودة الفحص. لاتستغني عن خدمة أحدٍ. باءت زياراتها بنفس فشل الأولى. اضطررت خلال الأشهر الفاصلة بينها أن أطور مظاهر جنوني وأتقنها أكثر. أبديت للناس تدهور حالتي العقلية وحتى الجسدية. اضطررت أن أمشي عريان في الشوارع، أن أقبِّل أكباش العيد من أفواهها. تلقيت أفظع شتائم الصغار والكبار. تحملت ضربهم وسخريتهم. تألقت في دوري حتى لا أكمل حياتي جاسوسا. كنت أعول نفسي وأسرتي بعرق جنوني...

- ألم تلمس من تعليقاتي الإذاعية أنني أمقت الرياضة، وأنني أكرِهتُ على أدائها بأمرٍ من "اللجنة". أجبرتني على تخدير الشعب بأخبارها وهددتني باقتياد أخي...

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard