ممنوع التراجع، ممنوع الانسحاب: "تانغو" لن يمرّ على خير

7 حزيران 2018 | 23:30

المصدر: "النهار"

"تانغو".

يفرض الإيقاع المتصاعد أن نكون أوفياء للمُشاهدة. صلةٌ جميلة بين #تانغو ومُنتظري النهاية، مبنية على الترقُّب والتورّط. أحد مسلسلاتنا المفضّلة هذا الموسم الرمضاني، يملك دائماً ما يقوله، ينظر إلى الأعلى، ويتلاعب بالاحتمالات. نصارحكم بأنّ الخيانة مملة والتقلّبات العاطفية على الأرجح كليشيه مُسلٍّ. يعبر المسلسل من عمق النظرة السطحية لإشكالية الخيانة وما يطاردها من انطباعات ساذجة، ليعيد تشكيلها في داخل كادراته، متخطياً النمط الباهت في القراءة والمقاربة، مُراهناً على كاريزما الأداء التمثيلي وفنّ التشويق والأعصاب المشدودة. 

لا تمرّ حلقة على خير. الكاتب إياد أبو الشامات والمخرج رامي حنا رجلان مِن ثقة، لقاؤهما ينتج ثماراً طيّبة. المسلسل ("أل بي سي آي") لعبة زمنية مُتقنة، تُرغِم على خوضها حتى النهاية. ممنوع التراجع. ممنوع الانسحاب قبل خطّ النهاية. أنتَ في "تانغو" إما أن تكون أو لا تكون. التفكير في الـ"بين بين" ليس في مصلحة أحد. نُشاهد بحماسة مَن يفقد الثقة بكلّ شيء ويعلم أنّ أمامه الانتظار فقط. قوّة المسلسل في قلبه الطاولة على الجميع. لا أحد أفضل من أحد. الجميع أمام مراياه الداخلية، تشوّهاته تخرج على مهل، تُقلّص جمال الصورة، وتُسقط فظاعة الأقنعة. إنّنا هنا في الهاوية، الانهيار قضاء وقدر، لكنّ مُسبّباته تقترفها اليد وتُشرف عليها الضمائر الميتة.  

أداء بديع لرباعي البطولة، يرفعون شأن المسلسل، يُخلّصونه من "وصمة" الكليشيه المتعلّقة بموضوع الخيانة. رباعي مأزوم، أعماقه عطشى، مشاعره متفسّخة. يلاحق عامر الباشا (باسل خياط بأداء متفوّق من ألفه إلى يائه) فرح حبيب (دانييلا رحمة المتميّزة جداً) حتى يخترقها. كلاهما متزوّج، لكنّه عاجز عن الامتلاء. يجسّدان معاً النموذج المُقبل على خسارة فادحة. يحذّر المسلسل من الفخاخ المنصوبة حول الإشكالية، ويترك للآخرين الحقّ بالتبرير أو الإدانة. مَشاهده مُقدَّمة على طبق يُشبه جمجمة الرأس، وأبوابه مُشرّعة على ردّود الفعل والظنون والجدليات المتناقضة.

يمنح الرقص فرح قدرة على التحمُّل، بعدما يصطدم الحبّ بالخيبة الكبرى. ترقص فوق تعاستها وادّعاءاتها الباطلة حيال الزوج والأسرة والمساءلة الأخلاقية. مربّع شطرنج تتساقط رؤوسه من دون شفقة، وأسماك يبتلع صغيرُها كبيرَها. يستحيل الوثوق بأنّ أحداً بريء، حتى سامي (باسم مغنية في أفضل أدواره) الزوج المخدوع، ولينا (دانا مارديني الممتازة) المرأة الجريحة. مشهد مبالغتها في اللباس والمكياج لتُحمّل صورها على "إنستغرام" فيصدّق الآخرون بأنّها تجاوزت الكذبة، يختزل الإذعان المُطلق للجرح. رائعة بتجسيد وجع الطعنة والحاجة إلى النسيان. رائعة بالهروب وإن كان إلى حضن الموت. يتركها رامي حنا تُبدع على سجيتها. يعزّزها بالهشاشة، ويسلّمها للإدمان. هي كفرح، ظنّت أنّ النهاية أيضاً باليد، فإذا بها تخسر ابنها وزوجها واحترام أسرتها، كما خسرت فرح كلّ شيء.

تتوقّف الحياة عندما يحتقر المرء ذاته وينتهي مأكولاً بالندم. فرح أمام الوجه الآخر لعامر، سقطت من السماء وارتطمت بسابع أرض. يدور المسلسل حول مأساة موتها ولغز غيبوبة الرجل الذي أحبّت. شُبهة ارتكاب الجريمة تلاحق الجميع، والضابط جاد (طلال الجردي بدور ممسوك بإتقان) في دوّامة البحث عن دليل. لم تعد المسألة متعلّقة بضحايا النزوة العاطفية، بعدما تبيّن أن لعامر أعداء من عالم السلاح والمخدرات وتبييض الأموال، فيقتل بسهولة ويشرب دماء الخصم.

مَن قتل فرح؟ ننتظر وتنتظرون. رائعة سميرة بارودي بدور الماما صباح. هي امتداد لابن جرفته نزواته إلى وديان عميقة ودمّرت في طريقها كلّ شيء. محاولتها حماية ولديه من الأيام، ردّ فعل اختزالي للتكفير عن الذنب. كلّ ممثل في دوره، متألّق في المكان المُخصّص له: يوسف حداد، حسّان مراد، ليزا الدبس، فرح بيطار، أليكو داود... تركيبة متوهّجة، ونظرة باسل خياط ليلة الجريمة، طلقة أصابت الصميم.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard