المقاطعة

6 حزيران 2018 | 15:28

المصدر: "النهار"

المقاطعة.

وحيداً منهاراً وقف أمامَ مرآته في جوف الليل. تأمل تاجَ الياقوت فوق رأسه. تحسسَ فصوص المرجان في خواتمه. هل تُغني شيئا هي والصولجان وباقي التيجانِ والخواتمِ والحُلل السندسية. وهل يغني لقبُ الخليفة. كم يُحب أن يُنادَى خليفةً على الملأ ويُصِر، كما نودي آباؤه. لكن رغم إصراره كان يعرف أنه مَلِكٌ وليس خليفة. خاصة حين تسأله المرآة في خلوته: "خليفةُ مَن يا تُرى؟" فيخجلُ أن يقول: "خليفة رسول الله..". 

عيناه غائرتان يطوقُهما تاجان مِن حزن. ابنه ولي عهده أصابه داءٌ غريب حارَ الأطباء فيه رغم ظهور سببه. شبقُ اللحم! كل وجبات الأمير كانت لحماً من كل الأنواع. منذُ الإفطار يُرفع من أمامه طبقُ لحم ليوضَع طبقُ لحم وحولَه بَدَل الخُضار لحمٌ آخر. ثم الفاكهة لحمٌ كذلك..

من يُقنعه بمقاطعة اللحم لأجل شفائه؟ من يفطمه على كِبَره؟ حتى هو لم يفلح رغم أن أمره لا يَردّهُ أحد. نزعُ شهوة اللحم من فرد مِن يا أيها الناس عسير، فكيف بأمير له إلى كل شهوة وسيلة، ولا يقف شيء أمام إرادته. لكنه الآن سيهلك فلا تبقى له مشيئة ولا وسائل ولا وجود. وضاقت الدنيا على أبيه وضاقت عليه نفسُه..

أوى إلى فراشه. غدا سيأتي رجل قيل أن لديه دواءً لكل الأدواء، مع أنه ليس بطبيب..

**

فحصَ الرجل الأمير، وحين تأكد من أن داءه اللحمُ فعلاً، استأذن في الانصراف، وسط تعجّب الجميع. لا بد أنه ذاهبٌ لإحضار الدواء أو تحضيره. لكنه لم يعد. لا بعد شهر ولا بعد ستة أشهر. حتى استدار العام فإذا به يطرق باب القصر من جديد، صفرَ اليدين!

أدخلوه بغير رفق وأنذروه غضبةَ السلطان ونقمتَه. سيجعله لحماً مفروماً. انتهى أمره. ما هكذا يُعامَل السلاطين في الرخاء فكيف بحال الشدة والابتلاء. تبسمَ الرجل وقصد واثقاً جناحَ الأمير. وحضر السلطان وفاجأ الجميع بوداعته واستسلامه. كانت حالة الأمير قد بلغت نهاية السوء، ومع ذلك كانت بين يديه مائدةٌ من لحم رفع يده عنها تعباً من المضغ، لا شبعاً. وقف أمامَه الرجل. تفرس فيه لحظة، ثم أمره بقوة وحزم: "قاطِع يا مُقاطِع!" فإذا بالأمير يهب من مكانه ويقلب المائدة رأساً على عقب..

من حينها طلق الأمير اللحم طلاقاً بائناً، واستقرت مقاطعته في اللاشعور. لم يعد يحتاج إلى عزمة واعية. وذهب داؤه وعاد لسابق عهده من القوة والعافية، حتى صار يخرج إلى الصيد. لمتعة الصيد فقط..

حار السلطان كيف يجازي الرجلَ الغريب الذي غلب بلا شيء جميع الأطباء. عرض عليه مكافأة كبيرة من مال وإقطاع. رفضَ الأعطية خارقاً أعرافَ الحاشية المَرعِية. عليك أن تقبل عطايا السلطان طمعاً. أو خوفاً من عاقبة الرفض. لكن الرجل كان يردد على سمع السلطان كلمة أحمد بن مسكين: "لو أطعمْنَا أنفسَنا هذا ما خرجت السمكة!".

كان حريصاً على عيشة من تلمَّحوا الوجودَ ففهموا المقصود وجمعوا الرَّحْلَ قبل الرحيل. الزهدُ ترياق الجشع المتوحش. ببساطة. لقد أخطأ فوكوياما قبل أن يولد بقرون. الزهد هو نهاية التاريخ، والزاهدُ هو الانسان الأخير.. ثم إن المالَ السهلَ مُخيف. لو نجا الرجل من غِيلته فلا يضمن نجاةَ ذريته. أما السلطان فقد اعتبرها إهانة، ولم يُخفِ نيتَه في البطش به. قال له الرجل بهدوء:"- يا مولاي إن قتلتني فما يدريك.. قد ينتكس ابنك في مرضه فلا تجد من يفطمه ثانية..".

خمدت غضبة السلطان حين هبت عليها ريحُ المصلحة. مع ذلك كان لا يطيق أن يبقى لأحد عليه دَيْن معنوي. غيَّر الخطة. يعرفُ سرَّ الدواء أولاً ثم يتخلصُ منه بعد ذلك..

- قل لي الآن.. كيف أقنعت ابني بالمقاطعة؟ حتى إنه صار لا يقرب ما يصطاد بيده!!

- يا سيدي.. إنني طِوال عامٍ من غيابي، اختليت وكابدتُ مقاطعة اللحم حتى صفا منه القلبُ والقالـَب وصرتُ أشمئز من رؤيته.. وحين أمرت ابنك بالمقاطعة استجاب لحالي قبل مقالي.. ليتك سيدي تجرب مع رعيتك هذا الدواء..".

- كيف ذاك وما علاقة ذا بذاك؟

- أنت يا سيدي تشكو رعيتَك وهم يشكون منك، وأنت واحد وهم كثرة، فأرنا من نفسك ما تريد أن تراه منا فإننا خُلقنا من نفس واحدة..

**

صامتاً حانقاً وقف أمام مرآته في جوف الليل. لا يفكر في كلام الرجل. همه فقط كيف يوقع به. لكن صورة ابنه منتكساً في المرض من جديد كانت تحضره فتنسخ نيته. مَن يقوى حينها على مقاطعة الهوى كي يداويَه؟ هل يستطيعُ ذلك هو نفسُه يومَئِذ؟


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard