بورتريه للياباني كوريه ايدا "المسعَّف" في كانّ

4 حزيران 2018 | 18:29

المصدر: "النهار"

كوريه ايدا بعد تسلّمه “سعفة” كانّ في التاسع عشر من أيّار الماضي

يروي هيروكازو كوريه ايدا انه لم يعش طفولة صعبة. كبر بسرعة، وأحرق مراحل النمو التقليدي. والده لم يكن يعمل، يهرب من المنزل عندما يحين موعد دفع المستحقّات المالية. أمه هي التي اعتادت ان تدقّالأبواب لجمع الفلوس بهدف اطعام العائلة. روى هذا الفصل من حياته لصحيفة "ليبيراسيون" الفرنسية في كانّ يوم عُرض فيلمه، "الابن سرّ أبيه". انه تفصيل صغير ولكن يساهم في فهم سينما هذا الرجل الخمسيني الهادئ والحكيم الذي يحني برأسه أمام إطراء لعمله، والذي فاز حديثاً بــ"السعفة الذهب" في مهرجان كانّ السينمائي (٨ - ١٩ أيار) عن فيلمه "سارقو المتاجر"، وهو الياباني الخامس ينال هذه الجائزة في تاريخ المهرجان. هذه التفاصيل القليلة عن حياته تشرح كذلك هوسه بالأسرة والعلاقة بين الأجيال التي نسجها في عدد من أفلامه. يجب القول انه واحد من أنشط السينمائيين اليوم، فهو صوّر تقريباً فيلماً كلّ عام منذ مطلع العقد الحالي.  


“لا يزالون يمشون”.


"لا يزالون يمشون"، هو أول فيلم شاهدته لكوريه ايدا عند عرضه في مهرجان نانت السينمائي في العام ٢٠٠٨. يومذاك كانت مرت أكثر من عشر سنين على بداياته، وسبق له ان أنجز "مابوروسي" (عُرض في موسترا البندقية) و"بعد الحياة" الذي وُزِّع في أكثر من ٣٠ دولة حول العالم، ونال عنه جائزة "المنطاد الذهب" في نانت. أما "مسافة" (٢٠٠١) و"لا أحد يعلم" (٢٠٠٤) فذهبا إلى مهرجان كانّ، في المسابقة الرسمية. "لا يزالون يمشون" هو الروائي السادس لمخرج ينبثق من صميم الثقافة اليابانية.

ذات يوم صيفي، يجتمع أفراد عائلة يابانية في مناسبة يتبين انها تخليد لذكرى الأخ البكر الذي كان توفي قبل ١٥ عاماً أثناء محاولته إنقاذ طفل من الغرق. الفيلم ميلودراما متقنة الاخراج أنجزها كوريه ايدا مستعيناً بمَشاهد، إيقاعها يوحي بنعمة العيش في الريف الياباني حيث يحلو التسكع والتأمل واعادة النظر في جوهر الحياة. وهذا ما ستفعله الشخصيات، حواراً، نقاشاً وتطاولاً على "مقامات" بعضها بعضاً. تناغم رائع يولده الفيلم مترجحاً بين الكوميديا الخفيفة والأسى العميق والحوارات الغزيرة.

بعد "مابوروسي"، باتت فاجعة فقدان أو اختفاء فرد من أفراد العائلة لازمة درامية في سينما كوريه ايدا. مع اصرار على ضرورة نسيان أمر الأموات على مرّ الوقت والوقوف إلى جانب الأحياء الذين "لا يزالون يمشون”. تبرز أهمية هذه الوفاة على صعيدين إثنين، لأنها تشير إلى جروح قديمة غير قابلة للشفاء من جهة، وتحقق الوئام بين أفراد الأسرة من جهة أخرى، إذ تحققت الأماني لدى جمع شمل العائلة إلى مأدبة الطعام! ولا يكاد الأولاد يصدّقون هذه الحادثة المأسوية، مثلما يعجز الأحفاد عن فهمها واستيعابها. هذا كله ويظهر للمشاهدين أفراد العائلة من كبار السنّ وهم يتخاصمون على مرأى من الجميع. الخلافات المتشعبة والقصص المتداخلة، هذا ما يتراءى لنا من خلال لقطات طويلة، لكن مع قطع ووصل وليس بدونهما. لقطات غير متحرّكة بل ثابتة في مكانها. يبذل النصّ والإخراج جهودهما لتوفير مناخ شديد الخصوصية، يتأقلم المشاهد معه شيئاً فشيئاً، وهذا الشيء قمة في "الحشمة" الإخراجية والذوق والادراك. يسلّط السيناريو الضوء على جوّ من الاستياء الشديد حيث تكثر الأسرار غير المباحة، لكن المخرج يمضي في التقاط المَشاهد التي يصعب التعبير عنها بالكلام، ويحوّل اسلوبه من دون ان يبدي وجهة نظره حيالها، بل يكتفي بتصوير الممثلين الذين يتبادلون أطراف الحديث، ونظرات الاستياء. كذلك لا ينبغي الاغفال عن لحظات الصمت حين يبدو الأشخاص كأنهم مكبّلون ومقيّدون، وهذا من طبائع الكائنات المعزولة في سينما كوريه ايدا.


“الابن سرّ أبيه”.


في "الابن سرّ أبيه" (٢٠١٣)، المسألة برمتها تتعلق بالأبوّة التي تعبر أجزاء كبيرة من فيلموغرافيا كوريه ايدا. هنا يقدّم وصفاً دقيقاً وخاصاًجداً لهذا الهاجس. يُقال انه يوم عُرض الفيلم في كانّ عام ٢٠١٣، حيث نال جائزة لجنة التحكيم، ترك الفيلم أثراً عميقاً في رئيسها ستيفن سبيلبرغ، حدّ انه سارع إلى شراء حقوقه فور خروجه من الصالة. كان يمكن لكوريه ايدا ان يقع بسهولة في الميلودراما البكائية على طريقة المسلسلات، لكنه يتلافى ذلك ببراعة.

"الابن سرّ أبيه" عن عائلتين من خلفيتين اجتماعيتين مختلفتين. الأولى ثريّة، الثانية متواضعة الحال. كم ستكون الدهشة كبيرة عندما تعلم العائلة الثريّة ان الصبي البالغ من العمر ستّ سنوات الذي تربّى في كنفهما ليس ابنهما البيولوجي، وان ابنها البيولوجي تربّى في عائلة متواضعة، اذ تم استبداله من طريق الخطأ في المستشفى. وهذا يعني ان العائلة الثانية لم تربِّ ابنها البيولوجي كذلك. ما العمل في مثل هذا الظرف؟ هل ينبغي الركون إلى العلاقة الزمنية أو رابط الدمّ؟ ما الذي يحدّد الأبوّة والأمومة؟ هل يجوز أصلاً استبدالهما بعد مرور ستّ سنوات؟ واقع آخر يفرض نفسه: نمط عيش العائلتين الذي يبدو جدّ مختلف: ربّ العائلة الثريّة مهندس يولي الدقّة أهمية قصوى، كلّ شيء معدّ سلفاً في حياته، خلافاً لربّ العائلة المتواضعة الذي يقضي وقتاً أطوال مع أولاده. يجيد كوريه ايدا كيف يخلق مجموعة من المعضلات ولا يزيح عنها حتى الاحاطة بها من كلّ الجهات، معتمداً مبدأ "الحقيقة تكمن في التفاصيل".

بالتأكيد، نحن حيال فيلم عن علاقة الأهل بأولادهم، لكن كوريه ايدا يجعلها تذوب في اهتمامات أخرى ينكبّ عليها الفيلم. فالحكايات التي ينسجها المخرج القدير تبعتد طوعاً من السياسة والتحليل النفسي وعلم الاجتماع لتحفر عميقاً في الكائن الحيّ. مرةً جديدة، في حديث إعلامي، قال كوريه ايدا انه ملتزم موضوع التبادل بين الأجيال، وهذا يتأتى من طفولته التي اتسمت بالقلق؛ قلق ان تخرج أمّه لتدبير المال ولا تعود. هو وأشقّاؤه كانوا يتساءلون عن مصيرهم اذا حصل مكروه ما للأم التي كانت مرجعيتهم الوحيدة.


“سارقو المتاجر”.


يطرح الفيلم السؤال الآتي: متى يصبح الإنسان الأب الحقيقي لطفله. يستكشف كذلك المجتمع الياباني في مرحلة ما بعد كارثة فوكوشيما. خطرت الفكرة على بال كوريه ايدا وهو يراقب ابنته البالغة ستّ سنوات، فسأل نفسه ما الذي يربطه بها؟ هل هو رابط الزمن أم رابط الدم؟

مع مقاربته للعائلة بحساسية يايانية وخصوصية يمتاز بها الشرق الأقصى، كان من البديهي المقارنة بينه وبين مخرج اليابان الأسطورة ياسوجيرو أوزو. الا ان كوريه ايدا يتكلّم عن تأثّره بفيديريكّو فيلليني. يعترف لـ"الاكسبرس" بأنه كان في التاسعة عشرة عندما شاهد "ليالي كابيريا" للمرة الأولى وكانت آنذاك صدمة كبيرة له. أكثر من أي شيء آخر، أحبّ الحنان الذي يستثمره فيلليني في تعامله مع شخصياته. وفي هذا الاعتراف، مرةّ أخرى، نجد الينبوع الفكري الذي ارتوى منه كي يقدّم لنا شخصيات لا تشوهها يد الرسام. وعلى رغم التأثيرات الأوروبية، يبقى كوريه ايدا يابانياً، روحاً وثقافةً. "في مفهومنا"، يقول، "لا ننظر إلى الزمن باعتباره شيئاً خطيّاً، بل دورياً. لهذا السبب، حكاياتي تستغرق الوقت الذي تستغرقه الدورة وتنتهي على انطلاقة جديدة".

ثالث الأفلام التي يمكن التوقف عندها هو "سارقو المتاجر" الذي كرس نهائياً كوريه ايدا كقامة كبيرة في السينما المعاصرة كونه فاز عنه بـ"سعفة" كانّ قبل أيام. منذ عرضه الأول، شدّ هذا العمل الانتباه بصدقه والتزامه وقدرته على استدراج المُشاهد إلى أسئلة من عمق الواقع المعيش. الحكاية مرةً أخرى بسيطة. عائلة أفرادها من السارقين يستقبلون في منزلهم طفلة. في البداية، تبدو فكرة ضمّها إلى العائلة غير منطقية، لكنها تصبح واردة ما إن يصبح معلوماً انها طفلة متروكة لمصير أهلها الذين يسيئون معاملتها. هذا كله، في طبيعة الحال، يغدو مناسبة لتصوير الفقر والعلاقات البشرية المكلومة والأسرار العائلية بأقل قدر من استدرار للعواطف. لا نعلم كيف سيتم استقبال الفيلم في اليابان، لكن واضح هنا انه لا يرسم أفضل صورة عن هذا البلد. منسجماً مع ما أدلى به خلال تسلمه الجائزة، يؤمن كوريه ايدا بـ"سينما جامعة".

مسألة السرقات الصغيرة في المتاجر، أي على نطاق ضيق، مسألة محرّمة في المجتمع الياباني. وهي الحيلة التي يلجأ اليها الأب أوسامو وابنه شوتا لتدبير أمورهما المعيشية. كوريه ايدا يصوّر هذا بلا أي رغبة في كسب التعاطف، بل بجفاف كامل، والتزام جاد لصنع سينما تنطوي على شخصيات لها ما لها وعليها ما عليها. "سارقو المتاجر" يلجأ كذلك إلى بعض الظرافة للتخفيف من حدة الحكاية. لا يحتاج إلى أكثر من أربعة جدران كي يرتقي سينمائياً ويحلّق في فضاء الليريكية من دون ان يبدو مفتعلاً، عبر استخدام جيد للضوء والحركة والتقنيات التي يعرف المخرج كيف يمسك بخيوطها، فيصبح بيت العائلة مسرحاً تتولد فيه الحكايات. يقتصد الفيلم بكلّ شيء، حتى بالموسيقى، فيترك للمُشاهد مساحة واسعة ليحزن أو يبكي أو يضحك. مجدداً بعد "الابن سر أبيه"، يطرح كوريه ايدا أسئلة حول التناسل. مقاربته للعائلة قد تولّد نقاشاً في بلد "محافظ" مثل اليابان، قال فيه برلمانيون أخيراً ان الاهتمام بالأطفال شأن النساء اللواتي عليهن انجاب ٣ أطفال، لا أقل من ذلك.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard