أم جبل بصولجانها تجعل كلّ مشهدٍ أجمل من مشهد

31 نوار 2018 | 23:49

المصدر: "النهار"

منى واصف.

لا ندري أيّ الوقت هو الأنسب للكتابة عن #منى_واصف. مُشعّة في كلّ مشهد، وكلُّ مشهدٍ أجمل من مشهد. تعبر بوقار الكبار من تموّجات الحياة الزهرية إلى حِدّة الأسود بعد رحيل أبو جبل، فالمرأة حين تخسر رجُلها، تُبدّل ألوان العُمر. سنديانة مترسّخة، تمتدّ في العمق، في الأصل ونظافة المعدن. تجعل القلب خافقاً أمام مشهدها، ومأخوذاً بما تُقدّم، وهو لا يقتصر على الأداء المُتقَن فحسب، بل على التمرّس في روحية اللقطة. في "الهيبة" بجزءيه ("أم بي سي"، "أم تي في")، أم جبل متلألئة، الرصانة للماكسيموم، تقبض على الزمام، صاحبة حضور ألماسيّ.  

صنفٌ من البشر لا تنصفهم كلمات، بل نُبل المشاعر حيالهم. منى واصف مُعطّرة بطيف الزنابق، فوّاحة، تفيض في المكان. تسكنه وتملأ فراغاته. هي دعاء الأم حين لا يبقى سوى الدعاء، والترضّي الصادق على أولادها حين لا يشفع بهم سوى رضاها. وهي النظرة حين تقول كلّ شيء فتُغني عن المُطوّلات والجُمل. نظرة الأقوياء في المواقف الصعبة، في المِحن وعَصْف الأيام.

تجلس على كنبتها، هناك إلى جانب المدفأة، تحرّك بملامحها الأشياء. منزلها مملكتها، عصاها صولجانها، وكلمتها هي الفارق حين تتشابه المسائل وتنقبض الجدران على بعضها البعض، منطوية على أوجاع وتفكُّك. بكلمة، هي أم. ليس أجمل من الأمهات على الإطلاق. الجميلات حتى الدهشة. عظمة أم جبل في منع انهيار أسرتها. حين يموت الأب، تصبح الأم كلّ العائلة. لا تكفّ عن التعويض. منى واصف بالأسود وقار ووفاء. حاملة الإرث بأمانة المرأة الضاحكة في وجه القدر. لا تعصى عليها مصيبة. حتى الموت يُعلّمها أنّ الحياة ينبغي أن تستمرّ. لا تدعه يتمادى في سطوته عليها. يُلبسها الأسود، لكنّه ينير طريقها، فتتشبّث بكلّ أمل وكلّ ضوء ونافذة. 

هي الإيقاعات المضبوطة بوتيرة مُنتظمة. تِك تِك. لا مزاح مع امرأة تضع النقاط على الحروف ولا تقبل حلولاً وسطى. ناهد الشامية حين سلّمت جبل المسؤولية، ارتاحت. رغم أنّ نوعها لا يرتاح بسهولة. دائمة القلق والرجاء. صلاتها تُرفع من قلبها. منى واصف تعصف حضوراً، لا تشبع أرضٌ من عطرها. مرورها ازدهارُ كلّ المعاني اليابسة.

[email protected]

Twitter: @abdallah_fatima

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard