مخفيّون قسرا وأحياء مزعجون

5 تشرين الثاني 2013 | 13:06

المصدر: "النهار"

  • رلى راشد
  • المصدر: "النهار"

أرادت أكاديمية "غونكور" هذا العام تأكيد أن صفة "شعبي" ليست نقيصة أو شبهة أو تهمة. إلتأمت الأكاديمية أمس حول مأدبة الغداء التقليدية في مطعم "دروان" الباريسي، لتنتقي رواية بيار لوميتر "وداعا في الأعلى"، خيار تراءى إعادة ترفيع للتجربة الآتية من خارج الأمكنة المعدّة سلفا الممهدة لبلوغ تكريس مماثل. يبرهن انتقاء الفرنسي لوميتر الذي يجيء من فلك الرواية البوليسية، من مكان أقل ابتهالا من الأدب "الجدّي" وفق العرف، أن التمرس المدخل الى الإستثناء التأليفي. والحال ان تمرين الكتابة التشويقية لأعوام، منحت لومير أبجدية التصوير الروائي الفسيح، في صيغة لا تهاب أن تجمع في مساحة نص واحد بين التاريخ والصداقة واليأس والمغامرة، في لغة مشغولة ودقيقة على السواء.

"وداعا في الأعلى" الصادرة لدى "ألبان ميشال" والتي استبقيت في أعقاب تصويت عسير تطلب إثنتي عشرة جولة، كناية عن ملحمة عنيفة وحنونة وخائبة أيضا. ها هنا نص ينسجه بيار لوميتر من دون الإضطرار الى وضع قفاز كما حين يكتب "في المنطق التجاري، توفّر الحرب فوائد كثيرة، في أعقاب نهايتها حتى". والحال انه يمكن عدّ الجملة خلاصة لحكاية تبدأ عند أنقاض الحرب العالمية الأولى، الصراع الكوني الأول، وحيث تغمس الهدنة بمرارة الخيبة ويتقهقر مفهوم الدولة، في حين يجري تمجيد المخفيين قسرا والتخلّص من الأحياء المزعجين، ويغدو الكره فضيلة. تبرز نبرة الرواية شغف لوميتر بمنجز ألكسندر دوما، من طريق القدرة على جعل السطور تلامس نبض الناس وأحاسيس المارين في الشوارع والتاريخ على السواء. خمسمائة صفحة من الغبطة الخالصة حيث تتشابك حوادث مباغتة مع لقاءات تحلّ بعد قطيعة في قالب التاريخ الفتّاك، وحيث تتمحور الثيمة الأساسية على فرنسا الجاحدة التي تتنكر لتضحيات الجنود العائدين من الجبهة.
لوميتر من مواليد منتصف خمسينات القرن العشرين، درّس الآداب الفرنسية والأميركية للراشدين، وانتظر عقدين قبل أن يحظى بفرصة اصدار أحد نصوصه، وكان تجاوز الخمسين. غير ان النشر المتأخر جاء مختمرا فلم يلبث أن أقام لنفسه مكانا في مضمار الرواية البوليسية. من طريق "العمل المتأني" (2006) افتتح مغامرات الشرطي كاميي فيروفين، لتتوالى العناوين، من قبيل "ثوب العرس" (2009) وغيرها المكللة بالإمتيازات.
"وداعا، في الأعلى" رواية نفسانية واجتماعية وتاريخية على السواء، رواية الحياة بعد يوميات الجبهة.

(إقرأ المزيد في صفحة "أدب" - الجمعة 8 تشرين الثاني)

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard