الياس ووالدته فاليري.... المثلية خيارٌ شخصي

28 أيار 2018 | 16:56

المصدر: عن الاسوشيتد برس، ترجمة نسرين ناضر

  • المصدر: عن الاسوشيتد برس، ترجمة نسرين ناضر

استغرق الياس أكثر من شهرَين للاستعداد، قام خلالهما بابتكار الفكرة، وتحضير لباسه، وإجراء التدريبات. ثم في الليلة الكبرى، احتاج إلى خمس ساعات للتبرّج. ختاماً، ارتدى قفازَي الدنتيل الحمراوين مع أظافر حمراء بطول 10 سم طلبها خصيصاً من الولايات المتحدة. 

هكذا تحوّل الياس إلى ميلاني كوكس (Melanie Coxxx) التي أصبحت جاهزة لعرضها الأهم: العرض الراقص الأكبر لشاب في ثياب امرأة في لبنان.

وبما أن المثلية الجنسية وارتداء ملابس الجنس الآخر مخالفان للاعراف في لبنان، وفق توصيف وكالة "الاسوشيتد برس"، جلس الياس في المقعد الخلفي في سيارة والدته المجهزة بزجاج داكن، مع وشاح على رأسه، للانتقال من منزله في إحدى ضواحي بيروت إلى الملهى الليلي.



"لا تهاب شيئاً"

غير أن ذلك لم يتسبب بالتوتر لميلاني كوكس. يقول الياس إن شخصيته، المستوحاة من الممثِّلة والناشطة المتحوّلة جنسياً، لافرن كوكس، "لا تهاب شيئاً".

ويروي في هذا الصدد: "هي تمدّني بحيوية وقوة أكبر. عندما أرتدي ملابسي... أستمدّ الشجاعة (منها). (هي) توجّهني كي أصعد على خشبة المسرح وأقدّم العرض".

قطع الياس شوطاً طويلاً. كانت مسيرته حافلة بالرفض والاعتراض، قبل أن يحظى بقبول محدود. لا تزال عائلته الكبرى تتجنّبه، كما أنه خسر بعض أصدقائه. غير أن والدَيه تقبّلاه في نهاية المطاف، ومنذ ست سنوات، كشف على الملأ عن مثليته الجنسية. العام الماضي، نظّم عرضه الراقص الأول في ثياب نسائية. ومع ذلك، طلب عدم الكشف عن اسم عائلته خوفاً على سلامته.


قطع مجتمع المثليين ومزدوجي الميول الجنسية والمتحولين جنسياً، أو ما يُسمّى بـ"مجتمع الميم" في لبنان، مساراً مماثلاً. فقد ركّز، على امتداد أكثر من عقد، على الحراك لمكافحة التمييز وسوء المعاملة، حاصدِاً مكاسب مدهشة، حتى إنه تمكّن من تحقيق خرق ما في المشهد التقليدي. وهو يعتبَر الأكثر حيوية وانفتاحاً في العالم العربي.

إنما هناك تجاذبٌ مستمر بين السلطات ومجتمع الميم على خلفية القيود والمحدوديات. الأسبوع الماضي، بدا أن هؤلاء ذهبوا بعيداً جداً في تحركاتهم عبر إقامة احتفالات "الفخر" في بيروت. حظيت هذه الفعاليات بدعاية واسعة وأقيمت قبيل بدء شهر رمضان. وبعد تنظيم بعض الفعاليات، ومنها الحفل الراقص، تحرّكت السلطات.


وُضِع المنظِّم هادي داميان في الحجز لفترة وجيزة. وقد أرغمته السلطات على توقيع تعهّد بعدم استكمال باقي الاحتفالات تحت طائلة مقاضاته بتهمة ترويج الفسوق والإساءة إلى الأخلاق العامة. نتيجةً لذلك، ألغيَت بعض الحفلات والفعاليات العامة. وأُبقيَ فقط على بعض الفعاليات الصغيرة النطاق، مثل ورش العمل وجلسات القراءة، ولو ظلّ المنظّمون والمشارِكون يخشون المداهمات من قوى الأمن.

مع ذلك، "نستمر في السير نحو الأمام وليس نحو الخلف"، وفق ما يقول جورج قزي، العضو المؤسِّس في جمعية "حلم"، وهي أول جمعية في المنطقة لنصرة قضايا المثليين والمتحولين جنسياً ومزدوجي الميول الجنسية.

أضاف: "ثمة شعورٌ بأننا نزداد قوة، وهناك رد فعل من جانب المنظمات المحافظة".

وأعادت حملة القمع إشعال نقاشات تدور منذ وقت طويل في أوساط مجتمع الميم في لبنان بين مَن يريدون إقامة احتفالات "الفخر" ومَن يقولون إنه لا يزال ينبغي التركيز على الحراك والاحتجاج من أجل فرض التغيير.

يحتفل النشطاء، منذ عام 2005، باليوم العالمي ضد رهاب مثليي الجنس والمتحولين جنسياً ومزدوجي الميول الجنسية، في 17 أيار، لا سيما عبر تنظيم احتجاجات، وجلسات قراءة، وورش عمل وفعاليات ثقافية. إنما يبدو أن الطابع الحيوي والترويجي لاحتفالات الفخر أثار غضب السلطات، وفق ما يقول قزي. العام الماضي، كانت هناك محاولة لتنظيم "أسبوع الفخر"، لأول مرة في مدينة عربية، غير أن السلطات أرغمت المنظّمين على إلغاء بعض الفعاليات التي كانت مقررة ضمن برنامج الأسبوع، ومنها مسيرة في الشوارع.

قال داميان، بعد الإفراج عنه، إن "تحركات فخر بيروت تساهم في تغيير الخطاب، عبر نقل الأمور إلى مستوى آخر".


ولفت إلى أن هذه المقاربة أدّت إلى توسيع الدائرة إلى خارج أوساط ناشطي الميم لتشمل سياسيين ومستثمرين وحتى مسؤولين أمنيين، وكذلك بعيداً من "التهجّم على مَن هم في السلطة". تورد صفحة "فخر بيروت" على موقع "فايسبوك" قائمة بالسياسيين الداعمين لحقوق المثليين.

غير أن داميان كان أيضاً موضع انتقاد من النشطاء الذين قالوا إن توقيع التعهد شكّل سابقة، وإنه يندرج في إطار التعاون مع السلطات. واعتبر المنتقدون أيضاً أن داميان يتجاهل عملهم الدؤوب على امتداد سنوات.

قال جوزف عون، أحد أعضاء جمعية "حلم": "لا يمكننا أن نشكر المنظومة"، مشيراً إلى أن التركيز يجب أن يكون دائماً على أمن مجتمع الميم وسلامته، لا سيما الأكثر هشاشة بينهم.

ويعمد النشطاء والمجتمع المدني، بصورة مطردة، إلى زيادة التحدي منذ رفع علم قوس قزح لأول مرة في أحد الاحتجاجات عام 2003.

ويُشار في هذا السياق إلى أن العمل لا يزال سارياً بالمادة 534 التي تنص على تجريم المثلية الجنسية باعتبارها "فعلاً مخالفاً للطبيعة"، على الرغم من الجهود التي تُبذَل من أجل إلغائها. يُذكَر أن 76 شخصاً على الأقل أوقِفوا بموجب المادة المذكورة عام 2016. إنما في معظم الأحيان، يُصدر المدّعون العامون قرارات بالإفراج عنهم بدلاً من إحالتهم إلى المحاكمة. في الأعوام السابقة، رفضت المحاكم، في أربع قضايا، تطبيق المادة 534، فمنحت بذلك وكلاء الدفاع ركيزةً للحصول على إبطال الدعاوى.

إشارة إلى أن مراكز قوى الأمن والأطباء منعوا إخضاع المثليين الموقوفين للفحوص الشرجية بعد موجة غضب عارمة أثارتها حملة توقيفات جماعية عام 2012.

وبعد الضغوط التي مارسها النشطاء، تعهّد خمسة نوّاب في البرلمان المنتخَب حديثاً والمؤلف من 128 عضواً، بدعم حقوق المثليين والمتحوّلين جنسياً ومزدوجي الميول الجنسية، وطالبوا بنزع طابع الجرم عن المثلية، وفق ما قال قزي. لقد بات السجال حول حقوق الميم جزءاً من النقاش التقليدي، في البرامج التلفزيونية والتقارير الإعلامية.

ومنذ تأسيس جمعية "حلم" عام 2005، أصبح هناك نحو ست مجموعات ناشطة أخرى للدفاع عن حقوق مجتمع الميم. في لبنان حانات وملاهٍ ليلية للمثليين تعمل في العلن. ويعتز النشطاء اللبنانيون بأنهم أطلقوا، بالتعاون مع الفلسطينيين، مصطلحاً عربياً إيجابياً جديداً هو "مثلي" للحلول مكان المصطلح الشائع والتحقيري، "شاذ". وابتكر لبنان أيضاً مختصراً عربياً، "مجتمع الميم"، للإشارة إلى المختصر المتداوَل باللغة الإنكليزية LGBT.


التسامح النسبي في لبنان يعود، في جزء منه، إلى تنوّعه الطائفيوالإثني. فعلى الرغم من التشنّجات، لا تتمتع أي مجموعة بقوة كافية لفرض إرادتها، ويُضطرّ الأشخاص إلى الاعتراف بالآخرين إلى درجة معيّنة، ما يُتيح حيزاً أكبر لحرية الصحافة والتعبير والحراك بالمقارنة مع البلدان الأخرى في المنطقة.

نحن هنا أمام تناقض ديناميكي مع الدول العربية الأخرى، حيث تتعذّر حتى مناقشة حقوق مجتمع الميم، وتعمد وسائل الإعلام بلا هوادة إلى التهجّم عليهم وتشويه سمعتهم. العام الماضي، أوقفت الشرطة المصرية عشرات الأشخاص بعدما رفع عشّاق إحدى الفرق الموسيقية اللبنانية علم قوس قزح في حفل موسيقي كانت تقيمه تلك الفرقة في القاهرة، والتي يُجاهر المغنّي الرئيسي فيها بمثليته الجنسية.

تتجنّب قوى الأمن اللبنانية، منذ عام 2012، تنفيذ حملات مماثلة من الاعتقالات الجماعية. وقد أرغمت الضغوط السلطات على عدم تخطّي"الخطوط الحمر التقليدية"، وفقاً لسحر مندور، الباحثة اللبنانية في منظمة العفو الدولية.

غير أن قوى الأمن تجد طرقاً أخرى للتحرك، منها مثلاً إرغام داميان على توقيع التعهد من أجل الإيحاء بأن إلغاء الاحتفالات تم بصورة طوعية.

وثمة مؤشرات بأن قوى الأمن تشدّد قبضتها في مجالات أخرى. مؤخراً أُغلِق ملهيان ليليان بصورة موقتة – الأول بسبب عرض راقص ظهر فيه المؤدّون شبه عراة، والثاني بسبب ورود آية قرآنية في إحدى الأغاني الراقصة. واتُّهِم مقدّما برامج حوارية تلفزيونية بالإساءة إلى القضاء والرئيس بسبب المواد التي وردت في برنامجَيهما.

ينفي الياس وجود انقسامات في أوساط مجتمع الميم، لافتاً إلى أن مزيداً من الأشخاص ذوي الميول الجنسية الطبيعية باتوا يتقبلون الآن المثليين والمتحولين جنسياً ومزدوجي الميول الجنسية، قبل أن يردف أن السلطات هي التي "تخشى أن يزدهر هذا المجتمع أكثر".

وأضاف: "لا أشعر بأن هناك ما يُخيفني. تقبُّلي من الآخرين يعني ببساطة حصولي على الحرية".


تحدّث الياس مع والدته بالموضوع عندما كان عمره 18 عاماً. كانت إحدى نسيباته تضايقه، فصرخ الياس فجأةً في وجهها: "تعلمين أنني مثلي. إذا كانت لديك مشكلة في ذلك، فلا تنظري إلي".

تقول فاليري إنها أصيبت بالصدمة. في البداية، لم تكن قادرة على النظر إلى ابنها. وقررت مع والده إرساله للمكوث مع جدَّيه في القرية، وأخذا منه هاتفه وجهاز الكمبيوتر المحمول، وقطعا الاتصال بينه وبين أصدقاء له اعتبرا أنهم مسؤولون عن ميوله الجنسية.

استغرقت فاليري عامَين لتتصالح مع المسألة. وما جعلها تُبدّل رأيها هو معاملة أسرتها لابنها الياس. فقد قالوا لها إنه مريض ويحتاج إلى علاج، أو إنه مسكون بالشياطين ويجب أن يتم التقسيم عليه لطردها منه.

تروي في هذا الإطار: "ألحقوا بي أذى شديداً، لم يساعدوني". وكانت تخشى أيضاً على سلامة الياس. ولذلك تُلازمه وتبقى قريبة منه.

تقول فاليري: "هو لم يختر القدوم إلى هذا العالم. ولم يختر ديانته، ولا جنسه، ولا مجتمعه ولا منزله. فهل أحرمه أيضاً من حق اختيار الطريقة التي يريد أن يعيش بها حياته؟"

لم تتقبل عائلة فاليري الواسعة الياس حتى الآن. في إطلاق "أسبوع الفخر"، انضمت إليه والدته في فعاليات شارك فيها الأهل الذين يدعمون أولادهم المثليين في إطار لقاء تفاعلي مع المجتمع ووسائل الإعلام.


هذا الخبز الصحي لم تتذوقوا له مثيلاً

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard