الانتخابات المبكرة وخيارات المعارضة التركية

27 نوار 2018 | 11:19

المصدر: "النهار"

المتابع للشأن التركي يدرك جيداً أن تركيا ماضية إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في 24 حزيران القادم، حتى وإن نفى أو ادعى غير ذلك رئيس الجمهورية وبعض كوادر حزب العدالة والتنمية. فقد جاءت دعوة السيد دولت بهتشلي رئيس الحركة القومية والحليف الحالي لحزب العدالة والتنمية لتقديم الانتخابات المزمع إجراؤها في تاريخ 3 2019م لرفع الحرج عن حليفهم وحتى لا يكون في موضع ضعف ، ولكن لِم لا يوافق عليها الحزب الحاكم؟ مع أن كل المؤشرات الايجابية تصب في صالح السيد أردوغان وحزبه وحليفه الحالي حزب الحركة القومية (اتفاق الجمهور)، فكل استطلاعات الرأي تشير إلى ارتفاع شعبية أردوغان خصوصاً بعد عملية غصن الزيتون في عفرين عندما منع إقامة دولة كردية في شمال سوريا. فاستنهض بذلك القومية التركية كنصر قومي وقام برد الاعتبار للمؤسسة العسكرية بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو 2016م. إن ما يعاب على المعارضة التركية بكل أطيافها وتوجهاتها وزعمائها من أقصى اليمن إلى أقصى اليسار أنها ليست موحدة ولا تملك رؤية مستقبلية للدولة التركية ولا برنامج انتخابي ينافس حزب العدالة والتنمية المتواجد في السلطة منذ ما يقارب العشرين سنة وهدفها الوحيد هو (تركيا بلا أردوغان). إن خصوم أردوغان في الشرق والغرب كثر كما أن محبيه كذلك ، لكن يتفق الجميع أياً كان معارض – مؤيد بأنه قد نقل تركيا من دولة تابعة للدول الغربية إلى دولة لها تأثير ونفوذ كبير في المنطقة من الناحية السياسية والاقتصادية والثقافية واستخدم قوتها الناعمة في أفريقيا كالسودان والصومال ودول البلقان لبناء المدارس والمساجد والجامعات والمستشفيات وتطوير البنى التحية لهذه البلدان وماتقوم به مؤسسة تيكا (رئاسة الوكالة التركية للتعاون والتنسيق) خير شاهد على ذلك.

لن ينافس أردوغان في الوقت الحالي إلا شخص من قيادات حزب العدالة والتنمية وقد يكون في مقدمتها السيد عبد الله جول رئيس الجمهورية السابق واحد مؤسسي الحزب وهذا ما تراهن عليه المعارضة لحدوث انشقاقات وتصدعات داخل الحزب وخصوصاً بعد حركة التجديد في قيادات الحزب والمحافظين والناقمين على سياسة أردوغان. إلا أن السيد جول تراجع عن الترشح في اللحظة الأخيرة عندما وجد نفسه ليس المرشح الوحيد للمعارضة بالإضافة لموقف رفاق دربه السيد أحمد داود أو غلو رئيس الوزراء السابق وبولاند أرنيج رئيس البرلمان التركي السابق الرافضين لترشح جول والداعمين لأردوغان.

على ما يبدو فإن المعارضة التركية لم تتعلم من الدروس السابقة فلقد كانت الانتخابات الرئاسية 2014م أكبر دليل على إخفاقها وذلك عندما دعمت أحزاب المعارضة مجتمعة (حزب الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي الكردي والحركة القومية) السيد أكمل الدين إحسان أو غلو بخلفيته الإسلامية ضد أردوغان. حيث لم تستطع أكبر أحزاب المعارضة (حزب الشعب الجمهوري الكمالي) آنذاك وحتى الوقت الحالي من تقديم مرشح رئاسي لخوض الانتخابات الرئاسية ضد السيد أردوغان من داخل الحزب. والمتابع يدرك حجم المأزق الذي تعانيه المعارضة في الآونة الاخيرة حيث أن جميع التحركات على الساحة التركية يقودها حزب السعادة بقيادة السيد" تمل قره مولا أوغلو،"، وهو حزب لا وجود له في البرلمان أصلا ولم يتمكن من تجاوز نسبة 10% في الانتخابات الأخيرة. وقد قامت مؤخراً مجموعة من النواب من حزب الشعب الجمهوري بتقديم استقالاتهم والانضمام إلى حزب (الصالح أو الجيد) لكي يتمكن الحزب من دخول لانتخابات الرئاسية المبكرة برئاسة ميرال أكشنار وزيرة الداخلية السابقة والمنشقة عن حزب الحركة القومية. قطعاً إن إجراء الانتخابات قبل موعدها المحدد أربك المعارضة التي تدعى أنها جاهزة حيث من الصعوبة أن تتوحد على برنامج انتخابي واحد، وخصوصاً أن هناك اختلاف جذري بينها في التوجهات والرؤى من أقصى اليمين كحزب السعادة المحافظ إلى أقصى الشمال كحزب الشعب الجمهوري الكمالي والشعوب الديمقراطي الكردي المعادي للقومية وحزب "الصالح أو الجيد" القومي اليمني مع ظهور بوادر انشقاقات وتصدعات داخل هذه الأحزاب. وعليه فإن كل هذه المؤشرات الإيجابية لصالح أردوغان ليجتاز الانتخابات الرئاسية في أول انتخابات بعد إقرار النظام الرئاسي في نيسان 2017 من الجولة الأولى بنسبة لا تقل عن 55% كما تشير آخر الاستطلاعات. وبالتالي يكون هو المخول الوحيد لتشكيل الحكومة ودون الحاجة للبرلمان ليكون لدى تركيا نظام سياسي جديد مستقر وقوى وربما يصبح أكثر قوة من كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية الحديثة. السيد أردوغان الذي سيخوض الانتخابات مبكراً ومرغما وكل ما تبقى من فترة رئاسته الحالية سنة ونصف يعلم جيداً أن مرور الوقت ليس في صالحه ولا في صالح حزبه وحلفائه فالتغيرات الاقليمية المقبلة المتسارعة في المنطقة وخاصة بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي في 8 مايو الموقع بين إيران ومجموعه (5+1) ، والتضخم الاقتصادي في تركيا ومع احتمال نشر قوات عربية بسوريا وعلاقته المتوترة مع أمريكا بعد أن قامت بمد الأكراد بالأسلحة وبعد شراء تركيا منظومة "إس 400 " من روسيا ومع تصريح المبعوث الأممي لسوريا السيد "دي ميستورا" الداعي إلى العودة إلى مسار جنيف بدل من مسار أستانا والذي يعتبر تركيا من الدول الضامنة لهذا الاتفاق بجانب روسيا وإيران لخفض التوتر على الأراضي السورية. وبوادر الصراع الإسرائيلي الإيراني على الأراضي السورية إضافة الى نقل السفارة الأمريكية للقدس، كلها عوامل دفعت أردوغان دفعاً إلى التبكير لأجراء الانتخابات لكي يستبق أي تطورات سلبية محتملة بكل ارتداداتها على الأمن والاقتصاد التركيين.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard