18 عاماً على التحرير... أسرى سابقون وأهالٍ يستعيدون سنوات الاحتلال

25 أيار 2018 | 22:32

18 عاماً على تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي... سنوات مرت على تحرير كان الأول من نوعه لدولة عربية بانسحاب إسرائيل من أرضها دون قيد أو شرط.  

رغم مرور نحو عقدين من الزمن على التحرير، إلا أن هذا اليوم ما زال له طعمٌ خاص في حياة الجنوبيين، فأبناء القرى الحدودية عاشوا حدثاً غير واقعهم، فتضحياتهم أزهرت تحريراً نقلهم من القيد الى الحرية لتنتهي عذبات بدأت في العام 1978 عند احتلال الجنوب واستمرت طوال تلك الفترة قبل أن تشرق شمس الحرية عام 2000.

من عايش تلك المرحلة يدرك جيداً قيمة النصر الذي تحقق في العام 2000، فالحاج أبو أحمد كرنيب من قرية مارون الراس، ما زال يحتفظ بذكريات الاحتلال فالانتهاء من الجيش الاسرائيلي وعملائه كان حلماً بالنسبة له، وهو الذي عايش أحداث النكسة العربية، وانهزام الجيوش العربية أمام اسرائيل خلال بضع ساعات، لم يكن يتوقع يوماً أن يرى الجيش الاسرائيلي الذي لا يهزم قد انسحب خارج الحدود، تاركاً عملاءه خلفه "ما حصل كان حلماً وتحقق، حتى الرجال اطلقت الزغاريد في يومها". خاتماً حديثه "سيحكي التاريخ عن رجال ونساء واطفال رفضوا الاحتلال وقاوموه باللحم الحي، فالعين في الجنوب قد قاومت المخرز".

ومن قرية مارون الراس الى قرية عيترون الحدودية أيضاً، يخبر الحاج أبو وفيق عن العذابات التي كان يواجها سكان تلك القرى حتى قبل احتلال الجنوب عام 1978، "الدوريات الاسرائيلية كانت تدخل القرية، تحرق البساتين، تأسر وتعتدي على كل شخص يمر بجانبها، عشرات المنازل حرقت فقط لأنها قريبة من الحدود الفلسطينية، ومع تصاعد عمليات المقاومة اللبنانية، زادت نسبة المضايقات من الاحتلال، واستمر الأمر مع احتلال الجنوب الى أن وصلت القوات الاسرائيلية الى العاصمة بيروت في العام 1982، حينها شعرنا بالنكسة الكبرى، كان لدينا أمل كبير بالتحرير حتى شاهدنا على شاشات التلفزة السيارات العسكرية في شوارع عاصمتنا، تلك العاصمة التي لم نكن قد زرناها بعد".

ومن قصة الى اخرى ينتقل أبو وفيق بشريط ذكرياته، وكيف حرق الجيش الاسرائيلي أحد المقاومين في القرية وهو على قيد الحياة، وكيف شكلت تلك الحادثة حالة من الغضب لدى ابناء القرية، مضيفاً، مع مرور الوقت وتصاعد العمليات ارتفعت نسبة المضايقات، حتى إنه في احد الايام اوقف احد المسؤولين في جيش لحد عشرات السكان على الحائط صارخاً في وجههم: من نقل معلومات لاحدى الصحف عن مضايقات نقوم بها في حقكم"، موجهاً سلاحه على اجساد النساء والاطفال، وكأنه يهددهم بالتصفية في حال تكرار الأمر، جميعها أمور شكلت حالة من الغليان في قلوب الأهالي، فالطفل حينها كان يكبر قبل موعده بسنوات".

فرحة النصر ما زالت بادية عند كبار السن، فالدمعة تنهمر من بعضهم عند ذكر التحرير خصوصاً لمن فقد عزيزاً في الحرب الاسرائيلية على لبنان، زغاريد النساء التي خرجت عند التحرير ودموع الرجال وصرخة السيدة "الحمدالله لي تحررنا" كانت ابلغ تعبير عن سنوات من القهر والحرمان عايشها الأهالي".

وبعيداً من فرحة الأهالي، لا بد من التوقف عند آراء من احتك مباشرةً مع الاسرائيلي في المعتقلات، فتحمل القهر والعذاب لسنوات خلف القضبان.

فالأسير المحرر أنور ياسين والذي أمضى نحو 17 عاماً في السجون الاسرائيلية، يرفض الحديث عن الذكرى قبل شكر دماء الشهداء وعذابات الجرحى، "فلولا تلك الدماء لما كنا اليوم نحتفل بهذا العيد".

وعن ذكرى التحرير يؤكد ياسين أن الشعور لا يمكن أن يوصف، فالخبر قد جاءنا ونحن في سجن نفحة، "شعرنا باجسادنا تطير خلف حدود السجن، وتنطلق الى ارض الجنوب المحرر، تمنيت لو أمكنني أن اشارك تلك الفرحة مع المقاومين والاهل والاصدقاء".

وبتنهيدة يكمل حديثه عن فرحة النصر "يا للأسف لم تكتمل، فالنظام الطائفي يعزز الطائفية على الروح الوطنية، فكل طائفة تتقوقع على ذاتها، ما يفتح الباب أمام الفاسدين. الأرض قد تحررت ولكن ما زال المواطن معتقلاً وتحت احتلال من نوع اخر. على أمل ان يتحرر المواطن في لبنان من اعباء النظام الطائفي ويتحول لمواطن يتمتع بكل حقوقه البسيطة".

أمنية ياسين تشاركه بها الأسيرة المحررة سهى بشارة والتي حاولت في العام 1988 اغتيال قائد جيش لبنان الجنوبي انطوان لحد الموالي لاسرائيل، فقد تمنت "أن يستكمل التحرير بوطن يحترم مواطنيه، وتسوده العدالة الاجتماعية والمساواة، والأهم التعامل مع المواطن كإنسان، إضافة لحرية التفكير، وهي قضايا يجب التوقف عليها في ذكرى التحرير. فنحن خلقنا للفرح والعيش لا للموت، فالحلم بعد التحرير هو بناء الوطن".

تروي سهى لـ "النهار" تفاصيل الاحتلال وما عاشته في تلك المرحلة كأنها حدثت بالأمس، الصور ما زالت راسخة في ذاكرتها ترفض حذفها، تعود لسنوات نسيها البعض، تحكي عن أساليب التعذيب الجسدية والنفسية، وعن مواجهتها اليومية للإسرائيليين وعملائهم. تتحدث عن أيام أنهكتها، وأتعبتها لكنها لم تهزمها، وها هي اليوم تستعيد شريط ذكرياتها بضحكة وغصة.

وعن مراحل السجن تتحدث سهى أن الأصعب كان حرمان البعض من الأغطية فقط لأن المعتقل حاول رسم وردة من الخيوط، فيرى السجان الوردة فيحرمه من الغطاء رغم البرد الشديد، فالاحتلال كان يحاول قتل النفس قبل الجسد".

وترى بشارة أن الاحتلال خلّف ذكريات أليمة للأهالي كحرق أجساد بعض المقاومين أمام أعين أهاليهم، فقد اعتقلت احدى شقيقات احد المقاومين الذين حرق وعلى مدار 4 سنوات كان يتم اخراجها من المعتقل الى مكان حرق شقيقها، مما ترك ندوباً نفسية لديها. ولكن رغم العذاب الكبير والجرح لم يفقد جزء كبير من أهل الجنوب كرامتهم وحبهم للحرية ورفضهم للاحتلال.

ورغم بلوغ عيد التحرير سن الرشد (18 عاماً) تبقى امنيات الأهالي والاسرى، تحرير المواطن اللبناني من الفساد، وذلك ليس عصياً على شعب استطاع تحقيق حلم التحرير من جيش قيل انه لا يقهر .


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard