كيف يستفيد الأسد من القانون رقم 10؟

21 نوار 2018 | 19:07

المصدر: "النهار"

الرئيس السوري بشار الأسد، 2014 - "أ ف ب"

حين كانت معارك #الغوطة تلفظ أنفاسها الأخيرة، أقرّ الرئيس السوري بشار الأسد القانون رقم 10 في الثاني من نيسان 2018 "القاضي بجواز إحداث منطقة تنظيميّة أو أكثر ضمن المخطّط التنظيميّ العام للوحدات الإداريّة" و "تعديل بعض مواد المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012".

نصّ ذلك المرسوم على إحداث منطقتين تنظيميّتين في نطاق محافظة دمشق: جنوب شرق المزّة (مزة - كفرسوسة) والثانية في جنوب المحلق الجنوبيّ (مزّة – كفرسوسة – قنوات بساتين – داريا – قدم). وبينما هدف المرسوم إلى إنشاء "مدن نموذجيّة" في تلك المنطقتين، جاء القانون رقم 10 ليوسّع إنشاء هذه المدن لتشمل الأراضي السوريّة كافّة.


في المادّة الثانية من القانون الجديد، تطلب الوحدة الإداريّة من الجهات المعنيّة وخلال مدة أسبوع من تاريخ صدور مرسوم إحداث المنطقة التنظيميّة، إعداد جدول بأسماء أصحاب العقارات مطابق للقيود العقاريّة. ودعت الوحدة الإداريّة المالكين وأصحاب الحقوق العينيّة للتصريح عنها عبر التقدّم إليها وخلال ثلاثين يوماً من الإعلان برفع طلب يعيّنون فيه محلّ إقامتهم المختار.

فيما يبدو شكلاً أنّه محاولة لإطلاق إعادة الإعمار وتطوير التخطيط المدني، يرى مراقبون أنّ هذا القانون يهدف إلى إغلاق الباب أمام عودة الغالبيّة العظمى من اللاجئين والنازحين السوريّين إلى أراضيهم.

"مهمة انتحارية"

أشار كثر إلى أنّه يكاد يكون مستحيلاً على المالكين وأصحاب الحقوق العينيّة التصريح بحقوقهم وإثباتها بالوثائق في ظلّ ظروف الحرب والتهجير اللذين أصابا الملايين من السوريّين، مع الأخذ بالاعتبار الفترة القصيرة المعطاة إلى هؤلاء كي يتقدّموا بطلباتهم. نقل مراسل شبكة "أي بي سي" الأستراليّة في الشرق الأوسط مات براون عن الصحافي السوري يزيد يازجي قوله إنّ أكثر الذين سيتضرّرون من هذا القرار هم معارضو الحكومة، "وهؤلاء الناس تم طردهم بغالبيتهم ويعيشون اليوم كلاجئين ونازحين في مناطق أخرى من الدولة". وبالمقابل، شدّد على أنّ أكثر المستفيدين من القانون هم رجال الأعمال والموالون للنظام والمستثمرون الأقوياء المقرّبون منه، واصفاً القانون رقم 10 بكونه ملحقاً منطقياً في سياق الأمور للمرسوم 66.


أحد الأحياء السورية المدمرة - "أ ف ب"


لكن بالنسبة إلى مراقبين آخرين، لا يهدف القانون فقط إلى عمليّة تغيير ديموغرافي تحرم السكّان المهجّرين من العودة إلى أراضيهم وممتلكاتهم بل هو عبارة أيضاً عن أسلوب تدقيق إضافيّ يمكن تطبيقه على السوريّين المحتمل عودتهم إلى البلاد. ينقل مراسل صحيفة "ذا غارديان" البريطانيّة في الشرق الأوسط مارتن شولوف عن مهى يحيى، مديرة "مركز كارنيغي للشرق الأوسط" في بيروت قولها إنّ عودة العديد من المهجّرين إلى #سوريا لإثبات ملكيّاتهم قد يكون أشبه ب "مهمّة انتحاريّة". وشرحت أنّ القانون يخدم ثلاثة أهداف من وجهة نظر النظام: آلية تدقيق إضافيّ بالعائدين، وطريقة لحرمان معارضي الحكومة من أصولهم وتعزيز لقوة النظام عبر توطين موالين له في مناطق استراتيجيّة.

"مسمار في النعش"

يطرح هذا القانون تساؤلات عن موقف القوى الغربيّة منه. بحسب بعض التصريحات الإعلاميّة، يتبيّن أنّ قسماً من هؤلاء على اطّلاع بما يجري. "إنّه مسمار في النعش بالنسبة إليهم (اللاجئين)"، بحسب ما قاله مسؤول بارز في الاتّحاد الأوروبي وفقاً لشولوف أيضاً. "هذا تعزيز صارخ للسلطة من قبل الأسد. إنّه عقابيّ، لا تنظيميّ. لا تخطئوا. من جهة أولى، من الطبيعي فعل شيء كهذا بعد كارثة طبيعيّة مثل الهزّة الأرضيّة. لكن ليس الآن. وليس بهذا الشكل. لا تزال الحرب مستعرة ويزداد انتشارها. ليست قريبة من النهاية بأي شكل من الأشكال".


لاجئون يعبرون الحدود المجرية النمسوية، 13 أيلول 2015 - "أ ب"


إذا كان بعض المسؤولين الأوروبيين على دراية بما يجري، فإنّ أي احتمال للتحرّك لم يلح في أفق الأزمة بعد. في هذا الوقت، أبدى عدد من السوريّين تشاؤمه من إمكانية العودة لاحقاً إلى أرضهم. في حديث إلى موقع "سيريا دايركت" يقول سليم محمّد، سوريّ اضطرّ لمغادرة أرضه في حمص سنة 2012: "لقد احتفظت دوماً بأمل أنّه يمكننا العودة. هذا القانون دمّر كل فرصة لذلك". ومع أنّ القانون سمح لأقارب أصحاب الحقوق "حتى الدرجة الرابعة" ممارسة "حقوق وواجبات" أصحاب الملكيّة، يبقى أنّ شموليّة التهجير الذي طال عائلات ومناطق بأكملها داخل سوريا، مقوّضاً لفاعليّة هذه الإجازة. وكان ذلك ما تطرقت إليه الخبيرة في الشؤون القانونيّة مي السعدني في مقالها الذي نشره "معهد تحرير لسياسات الشرق الأوسط".

دور ل "البرجوازيّة السنّيّة"

تشير السعدني إلى أنّ القانون يتجاهل واقع أنّ الحرب لا تزال مستمرّة وأنّ هنالك أكثر من 11 مليون سوري بين مهجّر ونازح. ورأت أنّ الهدف من هذا التشريع هو إثراء جيوب المقرّبين من النظام عبر مشاريع إعادة إعمار على حساب مالكين لم يحصلوا على تعويضات كافية لقاء استملاك أرضهم أو حتى لم يحصلوا على "فلس واحد" مقابل العديد من المناطق التي ستصادرها الحكومة. ولفتت النظر أيضاً إلى استهداف مناطق المعارضة بالتغيير الديموغرافي إذ إنّ أحياء يقطنها موالون للنظام تتمتع بخلفيّة اجتماعيّة-اقتصاديّة مشابهة لم يشملها مخطط إعادة الإعمار.

إضافة إلى التغيير الديموغرافي والطائفيّ الذي يتحدّث عنه معارضون للنظام، يذكر باحثون آخرون الطابع الاجتماعيّ للتغيير الحاصل على الأرض. ففي السنة الماضية، قال الخبير في الشؤون السورية فابريس بالانش لشبكة الأنباء الإنسانيّة "إيرينا": "إنّ مشاريع المرسوم 66 ‘ستركّز أكثر على التطهير الاجتماعيّ‘ وهو عرض الأرض على ‘البرجوازيّة السنّيّة والطبقة العليا ... الموالية للأسد‘". وأضاف خلال الحديث نفسه: "عندما تطرد سكّان داريّا، وهم سكّان فقراء، حتى تتمكّن من بناء شقق وفيلات فاخرة للناس ... فإنّ الأمر لا يقتصر على الطائفيّة فحسب، بل إنّه صراع اجتماعيّ".

بين واجب المكافأة وتعزيز الاستقلالية

الباحث البارز في المعهد الهولندي للعلاقات الدوليّة إيرفن فان فين كتب أنّ الأثر القانونيّ لهذا التشريع سيكون مضاعفاً. فنظام الأسد يريد السيطرة على الأصول التي يحتاج إليها من أجل إعادة الإعمار وتعزيز قوته بحيث يحفظ استقلاليته وقدرته على البقاء لفترة طويلة. ورأى في المدوّنة الإلكترونيّة لمدير مركز الشرق الأوسط التابع لجامعة أوكلاهوما جوشوا لانديس، أنّ إعادة الإعمار التي يعمل عليها النظام تهدف إلى "وجوب مكافأة شبكات رجال الأعمال وقادة الجيوش والميليشيات التي ساعدته على الفوز بالحرب". كذلك، تعزز هذه العمليّة استقلاله عن داعميه الدوليين الذين سيتوقعون الولاء المستقبلي لهذا الحليف السوريّ حين ينتهي النزاع كما أوضح.

كم سورياً يحتفظ بسندات ملكيته؟

إنّ صعوبة إثبات أصحاب الحق داخل سوريا لملكيّاتهم لا تقع ضمن إطار التحليل النظريّ وحسب. يلفت ضياء الرويشدي وريبيكا هاملتون النظر إلى دراستين تظهران النسبة القليلة من المهجّرين الذين لا يزالون يحتفظون بمستندات تثبت ملكيّتهم للأراضي والمنازل والأموال غير المنقولة. وفي موقع "جاست سيكيوريتي" الذي يُعنى بتحليل سياسات وقوانين الأمن القوميّ الأميركيّ أشارا إلى إحصاء أجراه المجلس النرويجي للاجئين أظهر أنّ 17% من اللاجئين السوريين امتلكوا وثائق حول ملكيتهم في الدول التي هربوا إليها. وأجرت مفوّضيّة الأمم المتّحدة للاجئين إحصاء آخر تبيّن فيه أنّ 9% من النازحين داخل سوريا تمكّنوا من الحفاظ على سجلّاتهم.


مقاتل سوري معارض يحاول تفادي رصاص القنص، 2016 - "أ ف ب"


يبدو أنّ للقانون 10 عدد كبير من الأهداف التي قد تساعد نظام الأسد مستقبلاً على ترسيخ حكمه. لكن بحسب ما يتبيّن، لا يرتبط الموضوع فقط بتغيير ديموغرافيّ أو بتعزيز موقع الأسد في الداخل السوريّ أو حتى تجاه الخارج ومن ضمنه حلفاؤه الأجانب. إنّ هذا القانون قد يكون فعلاً الرسم الأوّلي لعمليّة "خلق سوريا جديدة" بحسب عبارة الباحث الهولندي فان فين.


خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard