رشّة ملح- في فضاء التنوّع

20 نوار 2018 | 16:23

المصدر: "النهار"

الحب الإنساني المنتصر، لوحة لرنا علي.

لستُ ممن يضعون أنفسهم وعقولهم في قفصٍ عقائدي، حتى لو كان من ذهب. أنا طائرٌ حر، أطير كما أشاء، لا كما يشاء الآخرون. بعيْنَي صقر أرى حَبَّ الأفكار الإنسانية المتناثرة في هذا الكون الفسيح، ألتقط ما يناسبني وأرتفع به قدر ما يستطيع جناحاي. لك الحق أن تلتقط قبلي، ما يناسبك، أو ما يناسبنا معًا، أن ترتفع به وتسمو أكثر مني، ولكن ليس لك الحق أن تصوّب سهامك إلى جنحي لتمنعني من الطيران أو لتأخذني إلى أقفاصك أو أقفاص غيرك. أنا طائر حر، بين جمعٍ غفير من الطيور المبتهجة بفضاء الحرية واختلاف الألوان، يسعدني أن نكون، أنا وأنت، مختلفَيْن، ولكنْ كالسالب والموجب، متَّصلَين في دائرةٍ كهربائية واحدة، تُشعل الضوء، لتُضيء المكان.  

وحده الاختلاف والتنوع يضيء الحياة، يرفدها بحركةٍ لا نهائية، يبعد عنها شبح الموت ويجعلها قابلةً للاستمرار بشكلٍ أفضل.

الاختلاف والتنوع القائم على الإيمان بحق المختلف في الوجود والمساواة يعطينا الفرصة والقدرة على التميّز الإيجابي والاحساس السليم بذواتنا، يُنمّي فينا روح المنافسة والإبداع، يدفعنا نحو تقديم الأفضل، يُكسبنا احترام الآخر المختلف، يُظهر الإنسانية المزروعة، لكن المطمورة في دواخلنا، يبدد فينا الأحكام المسبقة، يمحو الصور المشوّهة عن الآخرين في رؤوسنا، ينقذنا من الغرور والنظر إلى ذواتنا بعدساتٍ مكبِّرة، يرفعنا إلى مستوى إرادة الله الذي جعلنا شعوبًا وقبائل، يذكّرنا بأن "أكرمكم وأتقاكم" أفعال تفضيل لا أدوات نفيٍ أو إلغاء، ولا تعني حصريةً لأحد.

الإيمان بهذا النوع من الاختلاف والتنوع يأخذنا إلى اليسر ويبعد عنا العسر، يحررنا من الأنانية، يجنّبنا لؤم الضغينة، يشذّب نفوسنا وينزع منها سموم الكراهية، يدفع حاطبي حروبنا المتواصلة إلى الإفلاس والبطالة، يذهب بنا إلى سلامٍ متين، يحطّم أمامنا أسوار التخلف، يفتح أبواب الرقي والتقدم، يجعلنا آمنين من سوء العيش في خوفٍ متبادل بين أبناء الوطن الواحد، يمتّن وحدتنا ويسدّ منافذ التدخلات في أوطاننا، يزرع في أجيالنا ثقافة السلام وثقافة الحياة القائمة على المحبة، يمهد الطريق لعدالة مرتجاة أو منتظَرة، يُزيل الغشاوة عن عيوننا فنرى عالمًا لم نره من قبل، يحطّم قيودنا الذاتية، يلغي ما أقمناه من حواجز وما بنيناه من جُدُرٍ بيننا وبين الإنسانية، يخلّصنا من شموليَّة الفكر ومن عنصرية مكشوفة أو مموّهة، قائمة أو محتملة، يزيح عن كاهلنا ثقل التاريخ وما لحقه من تزييف، يعدّل مسارنا الوطني والإنساني، يقتل يأسنا ويُحيي فينا الأمل بحياةٍ حرةٍ كريمةٍ آمنة، يضع أقدامنا على الطريق الصحيح لصون حقوق الإنسان في بلادنا، يحفظ ثرواتنا المهدورة ويوقف دماءنا النازفة في الحروب، يقرّبنا من الآخر فيمزق التنميط ويمنع التعميم المجافي للطبيعة، يكسر طوق الانغلاق على الذات ويوسّع فضاءات النظر من حولنا.

هذا النوع من الاختلاف والتنوع هو رحم الولادات الجديدة، فيه تتلاقح الإرادات الخيّرة ومنه تنبثق الينابيع؛ في أجوائه تنكسر غلواء التطرف وفي تربته ينزرع الاعتدال في الفكر والسلوك وتتعزز الديموقراطية كآليةٍ سلمية لتداول السلطة ورعاية حقوق الفرد والمجتمع، لا كسلّمٍ لبلوغ مراكز التسلط والنهب والفساد؛ وفي تربته أيضًا تزدهر المواطنة حيث يختفي التمييز العرقي والطائفي وتقام قاعدة العدالة المبنية على احترام الخصوصية في إطار الوطن الواحد والهوية الوطنية الجامعة المتصالحة مع الهويات الوطنية الأخرى، المجاورة والبعيدة.

هذا الاختلاف والتنوع يساهم في خلق مشهد كوني يظلله السلام ويحدوه السعي إلى دورة حضارية جديدة ترتقي بالسلوك البشري نحو الأنسنة التي لم يبلغها بعد على الرغم من كل الأديان والعقائد والفلسفات والتيارات الفكرية التي وقفت في وجه الوحشية والتمييز والاستغلال بكل أنواعه، وسعت أن يكون الناس سواسيةً، وبذلت الكثير من التضحيات في سبيل ذلك.

إنه الحب الإنساني المنتصر على الخبائث، الطارد للنوازع الشريرة، الجدير بأن يكون رايةً لأصحاب القلوب الطيبة، ومفتاحًا لقلوبٍ لم تختبر حجم طيبتها بعد.

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard