رمضان طرابلس بين الأفراح والأتراح

18 نوار 2018 | 14:42

المصدر: "النهار"

ما إن اقترب رمضان، حتى أسرع الناس بفرح للتحضير لقدومه كل بطريقته. إنه مناسبة لتغيير الحياة بكل ما فيها من معانٍ. هذا يحضر الإفطارات، وذلك يقيم الزينة، وثمة من يحضر المآدب الشعبية لمساعدة الفقراء والمساكين. 

في أنحاء مختلفة من طرابلس، زينت المساجد بأضواء استثنائية، وأبقيت مآذنها مشعة طوال الليل وارتفعت الزينة، على مداخلها ونوافذها، كما ارتفعت مجسمات عند المستديرات، هنا أقامت بلدية طرابلس زينة من هلال مجسم عند مستديرة النور، وتشكيلات مختلفة أدخلت عليها التكنولوجيا الحديثة لتزيدها حيوية وإشراقاً، وقد أقامت حفلاً لافتتاحها جرت فيه تلاوات قرآنية، وأناشيد دينية على وقع الفتلة المولوية، وقدمت فيه المشروبات المنعشة التراثية من حامض الليمون والتوت وما شابه.

بنهاية شارع الجميزات، ارتفعت فوانيس، وأشكال مختلفة، وفي شارع عزمي ازدانت فسحات الشارع بالزينة التي باركت الناس بالشهر الفضيل، وعند مدخل مدينة الميناء أقامت بلدية الميناء زينة على شكل برج عالٍ رافعا الهلال. هلال وأنوار وفوانيس في أمكنة مختلفة من المدينة.

عشية بدء الصوم، راح الناس يبحثون عن طريقة وداع للحياة الروتينية العادية، فتجمع البعض تحت أشجار البساتين القريبة من المدينة، والبعض الآخر على شاطئ البحر، فتغطت الأرصفة بمئات المواطنين، وأقيمت تجمعات القهوة، والنرجيلة، والأطعمة المتوافرة، وشعر الباعة ببحبوحة قلما حدثت قبلاً، متمنين دوامها طوال ايام السنة. "يا ليت كل ايام السنة رمضان"، يقول محمود، بائع الكعك والجبنة على الرصيف.

المسحراتيون شحذوا طبولهم، وهيأوا الفوانيس التي ترافقهم في تجوالهم الليلي طوال الشهر الفضيل، وبدت السيدات يتبضعن، حاملات ما يلائم الفطور، كل منهن تحمل أكياس الخضار والفاكهة، ولوازم الفطور. وباعة العصائر حضروا منصات عروضهم، ومدوا عليها قناني الليمون والجزر والسوس والخرنوب والجلاب، بينما امتلأت مطاعم الحلويات بالمآكل المخصصة للشهر مثل الكربوج، إضافة إلى حلاوة الجبن، والكنافة، والبسبوس، وسواها من الحلويات الشائعة.

آلام

على الجانب الآخر، ثمة آلام قاسية في كثير من الأمكنة، تبلغ قساوتها الذروة في مجموعة مبانٍ تعرف بمنتجعات حمزة، الواقعة عند طرف "رأس الصخر" على الحدود بين الميناء والبحصاص. أبنية متلاصقة تآكلت، واهترأت تحت وطأة عواصف البحر المالحة، والطبيعة المكشوفة، يبدو الظاهر منها فوق مستوى الطريق وكأنها آيلة للسقوط، وفي الطبقة السفلية، تتجاور الغرف الأمواج، حتى إذا ارتفعت شتاء تحت ضغط العواصف، دخلت البيوت - الشاليهات القديمة، وتعايشت مع السكان داخل منازلهم.

في هذه الغرف، تسكن عشرات العائلات، لكل منها روايته المأسوية. يقعد جمال الأسمر الخمسيني شبه مشلول أمام ردهة قرب غرفته، يراقب البحر وحركته. لا يستطيع الكلام بعد تعرضه لأربع جلطات في الدماغ، قضت كل منها على جانب من صحته. يعجز عن الكلام، كما عن الحركة، فيتحدث ابنه ناصر (15 سنة) عن أول جلطة شلت يده ورجله اليمنى، والثانية، شلت لسانه، وأضعفت حركته، والثالثة والرابعة جعلتاه مقعداً يتحرك بصعوبة بالغة شرط مساعدة من آخر.

يروي ناصر مأساة أبيه: "أذكره شابا نشيطا، لا يترك مجال عمل إلا ويعمل فيه لتأمين كل ما يريح والدتي التي أحبها كثيرا. عمل في البناء، والميكانيك، ومختلف المهن. ذات امسية، وقع أرضا، نقلناه إلى المستشفى، أجريت له العلاجات اللازمة، قالوا إنها جلطة بالدماغ. بعد فترة أوقف تناول دوائه بسبب العوز والقلة، فتكررت الجلطات، واحدة تلو الأخرى، حولته من ناشط إلى مقعد".

يتابع ناصر والغصة في حلقه: "في هذه الفترة، هربت والدتي من المنزل، وتزوجت من آخر، وكان عمري خمس سنوات، وبقيت انا وأبي واختي مريم (12 سنة) التي كان عمرها سنتين يوم تركتنا والدتي التي لم نعد نراها على الإطلاق. وهذا بيتنا منذ ان تزوج والدي، نتعايش مع الموج، يدخل المنزل، ويحول الفسحة أمامه إلى بركة ماء علينا أن نجتازها سباحة إذا أردنا الخروج من المنزل لقضاء حاجة".

ترك ناصر المدرسة مبكرا ليساعد والده، وشقيقته مريم التي ما زالت تلميذة تتابع دراستها. عن عمله يقول ناصر: "اجمع الحدائد وأجر العربة، ابيع ما اجمعه بما لا يزيد على 15 ألف ليرة لبنانية في أحسن الأحوال".

المفارقة أن أكثر ما يجنيه ناصر يدفعه إيجاراً للمنزل الذي احترق مرارا، ولا يتوافر فيه اي شرط من شروط الحياة حيث غرفة مقفلة إلا من جهة واحدة، لا تهوئة، ولا شمس تدخله. يعيشه أبطال صارعوا من أجل البقاء في اقسى ظروف الحياة.

توفيق كبارة الستيني ليس افضل حالا من جاره جمال إلا أنه غير مشلول. عنده ستة أولاد، منهم الكبير الذي يعمل على تاكسي، يعيل بمدخوله عدة أولاد - احفاد لتوفيق، وأبناؤه الآخرون كل في مهنة، لكنهم لا يقدمون لتوفيق أية مساعدة، فهم بالكاد يكفون انفسهم. يضطر توفيق ان يجول طوال النهار باحثاً عن فضلات معدن ليبيعها ويسد بها رمقه. "أحسن المداخيل 15 ألف ليرة"، كما قال.

أحيانا، يسبح توفيق في البحر محاولاً اصطياد بعض سمكات يسد بها رمقه، ويقول: "جاري البحر، وإن جار علي في الشتاء، هو صديقي أيام العوز المفرط".

عشرات بل مئات العائلات تعيش في ظروف سيئة، في هذا "المنتجع"، وفي العديد من الأحياء المتواضعة، تقدم نموذجاً لحياة البؤس المطلق، ربما تكون إشارة للمحسنين في شهر الإحسان الفضيل، ليفوا إحساناً وفق واجبهم الديني.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard