من المنجم إلى المصنع، الروبي حجر يتربّع عرش الأحجار الكريمة!

22 أيار 2018 | 11:41

كثيرة هي الأحجار الكريمة وقلّة من تدرك قيمتها وتفهم سرّها. فلكلّ حجر خصائص وتركيبة تميّزه عن غيره. ولكلّ حجر لون وبريق يحمل سرّاً وغموضاً فتاناً إلى عشّاق المجوهرات. وقد يظنّ البعض أنّ الألماس من أكثر أنواع الأحجار الكريمة قيمة وثمناً، إلّا أنّ حجراً وحداً يضاهيه بذلك ويتربّع عرش الأحجار الكريمة، وهو الياقوت أو ما يعرف بالـ"روبي"(Ruby).

يعتبر الروبي من أثمن الأحجار الكريمة وأكثرها ندرة في الوجود. وما يميّزه عن غيره من الأحجار لونه الملكي الجامع بين الحب والحرب. وقد اشتقت تسمية "روبي" من اللغة اللاتينية نسبة للونه، والتي تعني اللون الأحمر. يكتسب هذا الحجر لونه من تركيبته المؤلفة من مادة الكروم التي تعتبر بشكل أساسي مصدراً للونه الأحمر. كما ينتمي الروبي إلى معدن الكورندوم الذي يتشكّل من تركيبة كيميائية وهي أوكسيد الألومنيوم (Al3O2). ومن ألوانه أيضاً، الأزرق والبنفسجي، فتختلف تسميته حينها ويدعى "السفير"(sapphire)، أمّا الأصفر منه فيدعى "توباز" والأخضر هو "الزمرد".

للروبي مناجم خاصة وطبيعة أرض مختلفة تميّزه عن غيره من الأحجار. فتقع أكبر المناجم في بورما وهي الدولة الأولى في استخراج الروبي إذ تملك أفضل وأنسب طبيعة أرض، وتليها الموزامبيك كثاني أفضل طبيعة أرض، ثم تأتي بعدها أنغولا وزائير وأفريقيا الجنوبية وروسيا وآسيا وأميركا ولكن بنسبة متفاوتة جداً. ومناجم الـ "روبي" قليلة جداً ونادرة مقارنة بالألماس، كما أنّ كميّة الألماس المستخرجة تساوي ألف ضعف كمية الروبي، على الرغم من أنّ طريقة استخراج هذا الأخير أسهل من استخراج الألماس، وذلك لأنّ الروبي يوجد على عمق بسيط تحت سطح الأرض وحتى على وجهها.  

وفي مقابلة مع مموّل شركة "Diamonds forever"، أكّد السيّد خليل نصّور بعد خبرة طويلة في هذا المجال اكتسبها عن والده، أنّ "للروبي علامات تحتاج سنوات لاكتشافها في الأرض، أهمّها وجود المعادن وتحديداً الكورندوم وحجر العقيق والإسبينل. فيذهب الجيولوجي إلى الأرض ويدرس طبيعتها، وحين يلاحظ وجود شيء من هذه العلامات يباشر العمال عملهم في استخراج الروبي. وقد ينتهي نهار العمل الطويل من دون استخراج حبة واحدة من الروبي بسبب ندرته". واستخراج الروبي بحسب نصّور "حليف حظ".  
العملية التي ترافق استخراج الـ "روبي"
بعد استخراجها من الأرض، تنقل الأحجار إلى المعمل حيث تفرز عن الرمل وتنظّف جيداً، قبل بدء العمل الجدي والدقيق عليها. فيختار العمال أوّلاً الشكل المناسب لكل حجرة خام قبل قصّها. بعد ذلك، تحك كل حجرة على آلة حف مخصصة للحصول على الشكل المطلوب مع المحافظة على كبر حجمها كي يتمكّن العمال من النقش عليها لاحقاً. وأثناء العمل، يغطّس العامل الحجرة بين فترة وأخرى في الماء لتخفيض حرارتها ومنع تصدّعها. وباستخدام أدوات مختلفة يستطيع النحات نقش أشكال مختلفة على الحجرة، فيرسم رسماً أولياً سريعاً عليها لينقش لاحقاً. بعد تحديد الشكل والرسمة، تنقل الحجرة إلى النحات الذي ينقش ويحدّد بدقّة الشكل. وأخيراً، يلمّع العمّال الحجر ليصبح جاهزاً للاستخدام. وتستغرق هذه العملية مدّة ساعة تقريباً لكلّ حجر. إذ يعتبر نصّور "العمل بالروبي او غيره من الأحجار الكريمة والألماس دقيق جداً ويتطلّب صبراً. فبعض الأحجار تتطلّب الحذر أكثر من غيرها أثناء حكّها بسبب تركيبتها، فمثلاً حجر الروبي صلب ومتين لذا فمن السهل حكّه نسبة لحجر العقيق أو ما يسمى بـ "الرودولايت" (Rhodolite) الرقيق والحساس، وذلك لأنّ تركيبة الحجرين مختلفة. كما أنّ معالجة الروبي وحكّه تختلف عن معالجة باقي الأحجار الكريمة والألماس، فمثلاً مقارنة بالألماس، يحكّ الروبي بحسب مكان وجود "السيلك" (silk) وهو من الشوائب ويظهر على شكل خيوط بيضاء في الحجر. فيبحث العامل عن النقطة النظيفة الخالية من الشوائب ليحكّها، أمّا في الألماس فيبحث عن النقطة التي يتجمّع فيها وزن الحجر الأكبر ليحكّها. وأيضاً أثناء حكّ الروبي يسعى العامل إلى تجميع اللون في الحجر وتوحيده، أمّا الألماس فلا يحتاج لهذه العملية لأنّه أبيض".

وفي الحديث عن قيمة حجر الروبي، ذكر نصّور: "تختلف قيمة حجر الروبي تبعاً لثلاثة عوامل: اللون وطبيعة الأرض والنظافة.   
- اللون: تتباين درجات لون حجر الروبي. ومع هذا الاختلاف تتبدّل قيمته، فمثلاً الروبي الأحمر الغامق المعروف بدم الحمام (pigeon’s blood) يعتبر الأغلى نسبة إلى باقي درجات ألوان الروبي والأحجار الكريمة. وبذلك تختلف قيمته مع اختلاف درجات لونه.

- طبيعة الأرض: قد تتشابه حبتا روبي بالحجم واللون، لكنّ طبيعة الأرض المستخرجة منها كل منهما هي التي تحدّد القيمة، إذ إنّ الروبي في بورما أغلى من ذلك الموجود في موزامبيك. أمّا حقيقة اختلاف السعر بين هاتين المنطقتين فسببها، أوّلاً نقص الأمن والرقابة على المناجم، وثانياً تركيبة الروبي المختلفة. في بورما مثلاً تكثر العصابات التي تسرق المناجم وتقتل العمال، فالأراضي هناك غير محمية وغير شرعية، على عكس أفريقيا حيث لكل صاحب أرض منجمه الخاص بطريقة شرعية ومقابل مبلغ مالي. إضافة إلى ذلك، تختلف تركيبة الروبي بين بورما وموزامبيك بحيث إنّ في بورما يتميّز الحجر بشعاعه القوي ونظافته.
- النظافة: من الصعب جداً العثور على حجر روبي طبيعي غير معالج. إذ إنّه يحتوي على شوائب وفقاعات تؤثّر في شعاعه ورونقه وجماله. ولمعالجته وتحسينه، يحتاج الروبي إلى الحرارة والمواد الكيميائية، لكنّ ذلك يفقده قيمته بعد المعالجة. لهذا السبب، يحاول العامل عدم معالجته بالحرارة وحكّه لتحسينه، فيحافظ بذلك على سعره المرتفع.
وعلى الرغم من أنّ الروبي صغير الحجم، يبقى باهظ الثمن ونادراً جداً. إذ قد يصل سعر حجر الروبي إلى 50 مليون دولار، كما أنّه يمكن أن يباع بـ50 دولاراً. الأمر منوط بلون الحجرة ونقاوتها ولمعانها".

أمّا عن واقع تجارة الألماس والروبي تحديداً في لبنان والدول العربية، شرح نصّور: "تجارة الألماس والروبي في لبنان نادرة جداً. هناك ألف تاجر، لكنّ التجار الحقيقيين "معدودين عالأصابع". إنّها مهنة صعبة ودقيقة، وبسبب الجهل الموجود في المنطقة ما زلنا متراجعين كثيراً نسبة لدول أخرى كأوروبا. فبالنسبة إلى الروبي، تفضل أوروبا وأميركا والصين وغيرها من الدول استخدام واستثمار هذه الحجرة وذلك لأنّهم يملكون ثقافة قوية عنها، على عكس الدول العربية ولبنان حيث يتعامل التجار بالألماس بشكل خاص وبحجر الروبي الاصطناعي أو المعالج فقط، لأنّ سعره مرتفع ولأنّهم لا يملكون المعرفة الكافية للتعامل بهذا الحجر وتقدير قيمته واستثماره بطريقة صحيحة". وأضاف: "تجارة الألماس رائجة ورابحة لكن فيها الكثير من الكذب والاحتيال خصوصاً في لبنان، وكل ما نسمعه عنها هو مزايدات إعلامية ومبالغة. فهناك من يتعدّى على المصلحة فيربح القليل ويخسر أخيراً. أمّا الدولة فلا تضبط شيئاً، وكلّ يسعى إلى مصلحته. يأتي مليون خبير، وكلّ يسعّر على طريقته الخاصة ليحطّموا التاجر اللبناني ويمنعوه من التقدّم. على عكس دول العالم، حيث على الدولة دعم ومساعدة التجار لإدخال الأحجار وفتح معامل لأنّهم يعتبرونها سلعة كباقي السلع التي تفيد البلاد. مثلاً، في لبنان لا نجد معمل حكّ أو أي مؤشّرات أو آلات تدل على التقدم في هذا المجال. أمّا في تايلاند، فكان التجار يستخرجون حجر السفير ويبيعونه خاماً، وتدخلت الدولة وقدّمت مساعدات وفتحت معامل للتجار مطالبة ببيعه محكوكاً لتقوية التجارة ومساعدة الشعب في مدخوله".
وأكمل نصّور حديثه قائلاً: "في لبنان لسنا بحاجة إلى شهادة لاستيراد وتصدير الروبي مقارنة بالألماس الذي يحتاج إلى شهادة "كمبرلي" (Kimberley). نستخرج الروبي بطريقة شرعية موافق عليها من الدولة، كما نصرّح أمامها بالكمية المستخرجة من الأرض قبل شحنها رسميّاً. ندفع عليها رسوم الضرائب والجمارك بطريقة طبيعية كغيرها من السلع".  

وأشار نصّور إلى أنّه "من الصعب على التاجر والشاري إذا كانا لا يملكانخبرة، أن يفرّقا بين الحجر الطبيعي والحجر الاصطناعي. فهناك علامات تكشف الأمر بعد فحصه كالشوائب واللمعان واللون، إلّا أنّ التطوّر التكنولوجي حال دون الكشف عن هذه الأمور وجعل التفرقة بين الحجر الطبيعي والاصطناعي صعبة".  
وأخيراً ختم نصّور كلامه شارحاً علاقته القوية بهذه الأحجار ومعبّراً عن حبّه لها، فقال: "ترعرعت في أفريقيا، داخل المناجم. كنت أرافق والدي إلى المنجم وأشاهد العمّال يبحثون في الأرض. شقاوتي، شغفي، وحبّي للألماس والأحجار الكريمة ساعدتني على اكتساب الخبرة المطلوبة والكافية في هذا المجال، والوصول إلى ما أنا عليه اليوم. أؤمن بأنّ كلّ شخص يناسبه حجر معيّن ويعكس على نفسيته وصحته. فلكل حجرة طاقة إيجابية. وبالنسبة إلي، الروبي حجر مميّز، "بتحسه عم يحكي معك"". 




إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard