رحلة العودة إلى فلسطين

16 أيار 2018 | 22:59

المصدر: "النهار"

شاكر خزعل.

ترجمة نادين نصرالله

إنّه الخامس عشر من أيّار، تاريخ يتزامن مع الذكرى السبعين للنكبة، تلك التي ستغيّر للأبد التاريخ الفلسطيني وتتحوّل شرارة نزاع بدأ منذ عقود ولم يزل. إنّها النكبة التي استتبعت حرب الـ48 بين العرب والإسرائيليين، فأدّت إلى اضمحلال ثقافة شعب بأكمله وهجرة ما لا يقل عن 700 ألف فلسطيني من أرضه.  

كان جدّي واحدًا من أولئك الذين طردوا من أرضهم. فقد سقطت قريته ترشيحا، في قبضة القوّات الإسرائيليّة، بعد ساعات متواصلة من القصف الجويّ والمدفعي. لم يكن أمامه وأمام الفلّاحين الآخرين إلّا خيار الهروب نحو الشمال، واللجوء إلى لبنان، ليشكّلوا أول جيل من أربعة أجيال متعاقبة من اللاجئين الفلسطينيّين حتى يومنا هذا.

لم ينكفئ الجدال السياسي العقيم يومًا حول التجاوزات الأخلاقيّة والقانونيّة المحيطة بالنكبة. لكن أيًّا يكن النقاش حول أسباب وقوعها، فإن ذلك لن يغيّر واقع ما خلّفه هذا الطرد الجماعيّ من عواقب وخيمة على الشعب الفلسطيني وأجياله القادمة، إذ عمدت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل الفلسطينيين (الأونروا) إلى إقامة مخيّمات للّاجئين توزّع فيها النازحون الفلسطينييون في مختلف بقاع الدول المجاورة. وكان الهدف من تلك المخيّمات تأمين ملجأ مؤقّت لأولئك الذين ينتظرون يوم ينتهي النزاع ليعودوا إلى أراضيهم.

لكنّ هذا اليوم لم يأتِ أبدًا.

وأمّا البلدات الفلسطينيّة، فإمّا تغيّرت أسماؤها أو سوّيّت بالأرض. في المقابل، صودر عدد من الملكيّات عبر إجراءات قانونيّة لم تأخذ بعين الاعتبار حقوق المالكين الفلسطينيّين الأصلييّن.

سبع عقود خلت، ولا تزال مفاعيل النكبة تزداد سوءًا يومًا بعد يوم. فتقارير الأونروا تفيد أنّه من بين الخمسة ملايين لاجئ فلسطينيّ، يعيش أكثر من مليون ونصف المليون لاجئ في إحدى المخيّمات الفلسطينيّة. غير أنّ هذه المخيّمات تكتظّ بقاطنيها، وغالبًا ما يعيش فيها سكّانها من دون الاستفادة من أدنى مقوّمات الحياة مثل المياه الصالحة للشرب والطرقات ومجاري الصرف الصحّي. وعلى الرغم من كلّ ما تبذله الأونروا من جهود جبّارة، إلّا أنّ عدًدا ملحوظًا من الفلسطينيّين يموتون بسبب سوء التغذية أو نتيجة للأمراض التي تصيبهم أو حتى صعقًا بالتيار الكهربائي.

في شهر أيّار 1948، اضطر جدّي راغب قبلاوي، إلى مغادرة ترشيحا، وكان لا يزال شابًّا يافعًا. لم ينفكّ جدّي يحلم بالعودة إلى دياره، على ما أملك من ذكرى رافقتني حتى لحظة مماته، في العام 2002. كانت ترشيحا جلّ ما تلفّظ به وهو على فراش الموت، لتكون آخر أمنية له أن يرقد بسلام تحت تراب الأرض التي احتضنت طفولته.

لكنّ أمنية جدّي الأخيرة ضرب من ضروب المستحيل. فممنوع على اللاجئين الفلسطينيّين أن يدخلوا أيًّا من الأراضي المحتلّة. ممنوع على ثلاثة أجيال متعاقبة من عائلتي أن تطأ أقدامها أرض الوطن... ذلك قبل أن أصل، أنا، إلى ترشيحا.

بدأت رحلتي السرّيالية قبل عامين، عندما قرّرتُ أن أعيد الارتباط بأواصر الماضي. فوصلتُ إلى ترشيحا، للمرّة الأولى، وقد انقضت أجيال ثلاث مذ أجبر جدّي على مغادرة أرضه، قبل أن تسمح لي جنسيّتي الكنديّة أن أكون أوّل فرد من عائلتي يحقّق حلم العودة، فيعود إلى أرضه.

عندما بلغتُ قريتي، أمضيتُ وقتي أتكلّم مع أغراب. سألتُهم إن كانوا يعرفون جدّي، أو قد سمعوا عنه. لكنّ أيًّا منهم لم يفعل.

ثم عرّفني صديق جديد على رجل كان على اطّلاع واسع بتاريخ ترشيحا الطويل. لم يكن يعرف جدّي وحسب، بل وجدّي الأكبر أيضًا. فأخبرني عن المقهى الذي كان جدّي الأكبر يملكه. وكان جدّي يكلّمني عن المقهى نفسه. كنتُ مفتونًا.


أخذني هذا الغريب اللطيف نفسه إلى المنزل الذي عاشت فيه عائلتي يومًا. دخلتُ وحيدًا منزل جدّي، لأعي للمرّة الأولى حقيقة عودتي إلى ترشيحا.

كانت تلك رغبة جدّي، أن يدفن في تراب ترشيحا. شعرتُ بألم يعتصر قلبي، إذ خذلتُ جدّي ولم أستطع أن أحقّق له رغبته الأخيرة. فعاهدتُ النفس، تكريمًا له، أن أعود. سأسلك الدرب نفسه الذي سلكه يوم أجبر على مغادرة قريته إلى الأبد.

وعدتُ، صبيحة الخامس عشر من أيّار 2018. مشيتُ من ترشيحا، قرية جدّي، إلى الحدود الشماليّة مع لبنان، تمامًا كما فعل، قبل سبعين عامًا. ولكم وددتُ لو أواصل المشي حتى أبلغ بيروت، وتحديدًا مخيّم برج البراجنة، حيث عاش جدّي في مخيّم لا تتعدّى مساحته الكيلومتر الواحد، ويستضيف اليوم أكثر من عشرين ألف لاجئ فلسطينيّ. لكنّ الحدود بين لبنان واسرائيل مغلقة ولا يسعني عبورها.

قضيتُ ساعات الصباح الأولى أتأمل كيف تستقبل ترشيحا والقرى المجاورة أولى طلائع النهار. وبينما رحتُ أتنقّل في الشوارع بين الغرباء الذين يعيشون يوميّاتهم العاديّة، وجدتُني أراقبهم بعين جدّي، فأتخيّله بينهم طوال تلك السنين. كنتُ أمعن النظر في كل شارع، وأدقّق في كل مبنى. أخذتُ أبحث عن أماكن ذكرها لي جدّي، مثل الجزء الأحبّ على قلبه من الطريق، والشوارع المحاطة بشجر الزيتون.

كنتُ أعلم جيّدًا أن ترشيحا تغيّرت كثيرًا مذ غادرها جدّي، لكنّني تمكّنتُ، بطريقة أو بأخرى، من التعرّف إلى مواقع عدّة كانت لا تزال راسخة في ذاكرة جدّي، وما بخل عليّ يومًا بها. فكنتُ أجدني فجأة في حضرة معيوش سابق، هو شعور يتجسّد رؤية غريبة، تجعلني واثقًا من أنّني واقف في بقعة سبق لجدّي أن وطأها. فأدوس بقدميّ التراب، إلى أن تسري قشعريرة في جسدي. لقد شعرتُ بذلك الرابط العميق، وأنا أسير على خطى جذوري. كانت الأشجار تقف شامخة راسخة في أرضها، هي الأشجار نفسها التي وقفت شاهدة على ترحال أهلي قبل عقود مضت.

مشيتُ لأكثر من ست ساعات.

من ترشيحا إلى الحدود مع لبنان، رحتُ أفكّر في الدرب التي سلكها أجدادي قبل سبعين عامًا. هل كانوا يشكّون في أن مسارهم سينتهي بلجوء طويل يمتد على أجيال وأجيال؟ هل كانوا يتوقّعون أن تمنّ عليهم الحياة بقساوة تلاحقهم وتلاحق أجيالًا تأتي بعدهم؟

وجدتُني للحظات أجهد لأحبس دموعًا خانتني؛ وللحظات أخرى أشعر بسعادة تغمرني. كنتُ أبتسم للشمس، الشمس نفسها التي أشرقت فوق جدّي، فنفحت بي دفئًا بينما أصعد تلالًا وأعبر أزقّة ضيّقة في قريتي. تخيّلتُ جدّي سعيدًا بحفيده الذي عاد إلى موطنه. سرتُ وأحلام اليقظة من الماضي البعيد ترافقني على خطى جدّي. كيلومترات تخطّت العشرين، قبل أن أبلغ نهاية مسار جدّي.

بينما كان النهار يشارف على نهايته، اعتراني مجدّدًا حزن دفين. أدركتُ فجأة، أنّني أستطيع أن أعود متى أشاء إلى ترشيحا، لكنّ سائر أفراد عائلتي قد لا يعودون إليها يومًا. فرحتُ ألتقط كمًّا من الصور والفيديوهات وأنا على يقين، أنّها لن تفي القرية وأولئك الذين أجبروا على مغادرتها، حقّهم ولن تمنحهم أبدًا العدالة التي ينتظرونها.

زرتُ شجرة الزيتون التي زرعتُها عندما عدتُ للمرة الأولى إلى ترشيحا، إكرامًا لجدّي. فتلك الشجرة هي رمز السلام بالنسبة لعائلتي ومن تبقّى من سكان القرية، وهي الأمل بنجاتهم من حرب جديدة ونزاع قائم مستجد.

أنا على يقين، أن العديد من السكان، كما جدّي، لن يتخلوّا عن حلم العودة. فرحلة العودة قد بدأت لغالبية شعبي مع النكبة، قبل سبعين عامًا. ولا تزال حتى اليوم.

بينما أكتب كلماتي تلك، يشرذم العنف المستشري في غزة عائلات وأسر كثيرة. تعجّ المستشفيات بالضحايا، ويدفن الفلسطينيّون شهداءهم. إنّها ذكرى نكبة قائمة دائمًا وأبدًا. إنّها تلك المهمّة النبيلة التي تحثّنا على إيجاد بصيص أمل، في هذا الزمن العصيب من التاريخ. أودّ لو أنّ قصّتي تحقّق مرادها، وإن بجزء صغير منها، في فترة أقلّ ما يقال عنها إنّها مضطربة وخطيرة.

أكثر من 50 مليون لاجئ في العالم يفتقدون لمكان يسمّونه موطنًا. آمل أن تردّ لهم رحلتي بعض الأمل والراحة، عندما يدركون أنّه يمكن للاجئ، وأيّ لاجئ، أن يعود إلى موطنه، يومًا ما.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard