القانون الانتخابي في النص والتطبيق

15 أيار 2018 | 20:29

المصدر: "النهار"

إعتمد القانون الانتخابي الجديد، النظام النسبي، بلوائح مفتوحة تتضمن صوتاً تفضيلياً واحداً، وغير مكتملة المقاعد. مع اعتماد دوائر صغرى بمفهوم النظام النسبي. فقد قسّم لبنان إلى 15 دائرة انتخابية تراوح بين 5 و 13 مقعداً.

بدايةً لا بد من توضيح ثلاث نقاط أساسية يُستند إليها في تشكيل أي قانون انتخابي وهي: ما هي ثقافة الشعب الذي سوف يطبّق القانون عليه، وما هي خصائصه (وجود مقاعد للطوائف)؟ وما هي حاجته من القانون؟ هل المطلوب التمثيل الصحيح لكل الناخبين، أم للأحزاب الكبرى؟ أم للشخصيات والعائلات السياسية؟ أم للأقليات الطائفية أو السياسية؟ أم للأقليات الاجتماعية؟ 

يتبين لنا من هذه الكلمات المعدودة عن قانون الانتخاب 44/2017 الكثير من الثغرات التي شابت القانون وأفقدته إمكانية التمثيل الصحيح، كما وأدت إلى هدر أصوات الناخبين، بما لم يؤمّن الهدف الذي على أساسه تمت المطالبة باستخدام النظام النسبي. وهي: التمثيل الصحيح، والتوزيع العادل للمقاعد، والتي سوف نأتي على شرحها لاحقاً عند توضيح آلية إحتساب الأصوات. كما لم يؤمن القانون خلق برامج انتخابية سياسية واضحة ولم يضعف النزعة الطائفية. فمن الأخطاء الشائعة عند التحدث عن النظام النسبي أنه يؤدي إلى ظهور برامج انتخابية، والحقيقة أن القوائم المغلقة في النظام النسبي هي التي تؤمن ذلك نظراً لخصوصية لبنان، ووجود مقاعد طائفية. فما حصل في الانتخابات الأخيرة يُظهر إرادة الناخبين في الاهتمام بالمرشحين دون الاهتمام بالبرامج، كذلك فإن وجود اللوائح المفتوحة والتي تضمّنت صوتاً تفضيلياً واحداً، ساعدت في تشكيل تحالفات بين أحزاب أو مرشحين لا تتبنى نفس البرامج الانتخابية، ما أدى إلى غياب تلك البرامج التي كانت لتساعد الناخبين في المقارنة بينها، واختيار ما يناسبهم منها، كما وتساعدهم لاحقاً في الانتخابات التي تليها، في تقييم أداء اللائحة التي تم التصويت لها، استنادأ إلى ما حققته تلك اللائحة من برنامجها. وهنا نلفت إلى المغالطة التي وقع فيها الكثيرون واعتبار اللائحة مغلقة، ذلك أن القانون الجديد لم يسمح للناخبين بالتشطيب أو بإضافة أسماء مرشحين. في حين أن اللائحة المغلقة تعطي المقاعد التي حصلت عليها اللائحة للمرشحين الذين يتصدرون القائمة، بينما يفوز المرشحون أصحاب أعلى الأصوات التفضيلية في اللوائح المفتوحة، والتي بدورها تساعد الناخب في إعادة ترتيب المرشحين على اللائحة استناداً إلى عملية التفاضل بينهم من خلال الأصوات التفضيلية، والتي قد تزيد عن صوت واحد بما لا تصل إلى عدد المقاعد.

أما وقد تم اعتماد لوائح غير مكتملة المقاعد في دوائر صغرى، فهذا قد يؤدي إلى وجود عدد أكبر من اللوائح، بحيث تتشتت الأصوات، وتسمح للأحزاب الكبرى في تشكيل أكثر من لائحة. وهو ما حدث بالفعل، بهدف الاستفادة من الحصول على مقاعد من خلال تعدد الكسور، كما وتعطي لناخبينها أكثر من خيار. إضافة إلى ما هو مهم في اعتماد اللوائح غير المكتملة، انها سمحت للأحزاب في توجيه الناخبين إلى اختيار مرشح واحد في الحالات التي يتواجد فيها أكثر من مقعد للطائفة أو للمذهب، فعلى سبيل المثال: اعتمد الحزب التقدمي الاشتراكي هذه الاستراتيجية في قضاء عاليه، بحيث وزّع أصواته التفضيلية بين المرشحين أكرم شهيب عن المقعد الدرزي وهنري حلو عن المقعد الماروني، ولم يترك للناخبين إمكانية الاختيار بين مرشحين دروز، بما يؤمن فوز المرشح أكرم شهيب ويسمح بالفوز بمقعد غير درزي. كذلك استفاد من هذه الإستراتيجية كل من المرشح وئام وهاب في لائحة "الوحدة الوطنية"، والمرشح مارك ضو في لائحة "مدنية" وذلك بهدف ضمان حصولهما على الصوت التفضيلي وعلى المقعد الدرزي في حال حصلت لائحتهما على مقعد للدروز. وهذا المثال ينطبق على الكثير من الدوائر في لبنان. ولكن يبقى الاهم وهو أن اعتماد اللوائح غير المكتملة تعتمده الدول التي تهدف إلى تشتيت أصوات الأحزاب الصغرى أو المرشحين المستقلين بما يصب في صالح الأحزاب الكبرى. وهنا نورد المثال نفسه في الدائرة الأكبر في لبنان وهي دائرة الشوف-عاليه، حيث تشكلت لائحتان لما يسمى "المجتمع المدني" ما أدى إلى تشتت أصوات ما يسمى "المجتمع المدني". 

أما وقد تم اعتماد دوائر تعتبر صغرى بالمفهوم الدولي وغير متساوية (5-13 مقعداً)، فقد أدى ذلك إلى هدر الكثير من الأصوات. ففي النظام النسبي الذي يعتمد معادلة حسابية لتوزيع المقاعد، والتي تسمّى الحاصل الانتخابي، والذي أقره القانون 

44/2017 بأنه يساوي عدد المقترعين محسوماً منهم الأوراق الباطلة (المادة 102) مقسوماً على عدد مقاعد الدائرة. كما قد يشترط القانون نسبة حسم تسمى: العتبة الانتخابية، وهي الحد الأدنى من الأصوات أو المقاعد التي يجب على اللوائح المتنافسة تخطيها من أجل الدخول في عملية توزيع المقاعد. والتي أقرها القانون بأنها تساوي الحاصل الانتخابي لكل دائرة، بشكل مخالف لما هو متعارف عليه دولياً وهو 5% من عدد الناخبين. ففي هذا الشرط تم تهميش أصوات الأقليات السياسية أو الأحزاب الصغيرة وكذلك المرشحين المستقلين. 

ولم يكتفِ المشرعون بهذا كله، بل ذهبوا أبعد من ذلك، ففي حين أن ورقة الاقتراع المطبوعة سلفاً من قبل الجهة المنظمة للانتخابات والتي تؤمن سرية الاقتراع، سمح القانون بوجود أكثر من إشارة واحدة لأجل التصويت ما سمح للماكنات الانتخابية قراءة إرادة الناخبين، كما وسمحت لهم اعتماد استراتيجيات تؤمن لهم التأكد من أن الناخبين قد صوتوا لهم. والمهم بالموضوع أنه سمح بخسارة الناخبين لأصواتهم بسبب ضياعهم بين الإشارات في عملية التصويت. كما وان من المتعارف عليه دولياً والذي يترافق ووجود قوائم انتخابية موحدة، اعتماد نوع معين من الأقلام ذات الخط العريض واللون الموحّد والذي يمنع تعليم اللوائح ويسمح للمندوبين بمتابعة عملية فرز الأصوات بشكل واضح من خلال الشاشات التي استخدمت في عملية الفرز، فقد كان لافتاً خلال عملية الفرز عدم وضوح رؤية الإشارات على الشاشة. والمفارقة في ذلك أنه في حين تم شراء الحبر بسعر خيالي (ما يقارب 70$ للمحبرة الواحدة) تم اعتماد أرخص انواع الأقلام. 

كما وقد نص القانون على اشتراط الصوت التفضيلي في الدائرة الصغرى(القضاء). حيث قسمت الدائرة إلى دوائر صغرى تؤمن للأحزاب الكبرى الهيمنة على أكثرية الأصوات وتمنع اللوائح المستقلة من المنافسة في الحصول على أعلى الأصوات التفضيلية. 

أما اعتماد آلية إحتساب الأصوات، فقد كان لافتاً ضم الأوراق البيضاء إلى عملية احتساب الحاصل الانتخابي والذي بدوره رفع قيمة الحاصل. كما وأن اعتماد العتبة الانتخابية متساوية مع الحاصل، أمّن للأحزاب الكبرى ضمان خروج الكثير من اللوائح من عملية توزيع المقاعد، وتهميش أصوات الناخبين. 

في خلاصة للقانون 44/2017، لم يؤمن التمثيل الصحيح وكذلك لم يؤمن التوزيع العادل للمقاعد، فقط ساعد الأحزاب الكبرى التقليدية والتحالفات السياسية للطبقة 

الحاكمة التي عملت جاهدة منذ انتخابات 1992 على احتكار السلطة وعدم السماح للنخب الجديدة في الوصول إلى السلطة، كما ودفعت أكثر من نصف الناخبين للامتناع عن الاقتراع، لعلمهم المسبق بأن أصواتهم لن تصل إلى حيث يريدون ولن تترجم إلى مقاعد في المجلس النيابي. وهنا لابد من الإشارة إلى أن من سوف يتولون السلطة لا يمثلون سوى ما قيمته 26 إلى 30 % من الناخبين، أي ما يوازي 15 إلى 20 % من اللبنانيين. 

لذلك، على الإرادة الشعبية الضغط على المجلس النيابي الجديد من أجل تغيير القانون الانتخابي، أو بالحد الأدنى تعديل بعض بنوده بما يحسّن من إنتاجيته لجهة التمثيل العادل والصحيح. على سبيل الذكر لا الحصر يجب تعديل ما يلي: 

1- اعتماد اللوائح المغلقة بحيت يتم تأليف اللوائح استناداً إلى برامج انتخابية بغض النظر عن المرشحين داخلها، فتتولى بذلك كل كتلة سياسية أو حزب أو تحالف قوى، ترتيب أسماء مرشحيهم من رأس القائمة إلى أدناها، بحيث يفوز بالمقاعد التي قد تحصل عليها اللائحة، الأسماء الأولى على اللائحة، وبذلك نؤمن تغيير سلوك الناخب من انتخاب أشخاص إلى انتخاب برامج سياسية. كما ويؤمن هذا الطرح اعتماد كوتا نسائية من خلال اشتراط تركيب اللوائح بشكل يتضمن اختلاف جندري (رجل إمرأة، أو إمرأة رجل) بحيث تتألف اللائحة من تناصف جندري.

2- اعتماد لوائح مكتملة بحيث يحد من عدد اللوائح المتنافسة ما يسهّل عملية الاقتراع للناخبين، ويسهّل عملية فرز الأصوات ويسرّع في صدور النتائج. كما يمنع تشتت الأصوات ويساعد في تكوين تحالفات متجانسة ذات برامج سياسية واضحة، إضافة إلى تأمين كتل نيابية متجانسة داخل المجلس التي بدورها تؤمن سير عمله وعدم تعطيله. إضافة إلى أن هذا البند يسمح بإقرار كوتا شبابية، كما هو حاصل في تونس حيث يمنع تشكيل لوائح لا تتضمن 30% من عدد المقاعد، مرشحين دون 35 من العمر، والذي بدوره يرفع نسبة مشاركة الشباب في عملية الاقتراع.

3- فصل العتبة الانتخابية عن الحاصل الانتخابي، وإقرار عتبة حسم لا تتخطى 5%، فمع وجود لوائح مكتملة مغلقة تتضمن تناصفاً جندرياً للمرشحين وكوتا شبابية، لن يكون بمقدور من لا حيثية له في التمثيل من تشكيل لائحة بالشكل السهل الموجود حالياً، كما يمكن أن يترافق هذا البند مع شرط حصول اللائحة على عدد معين من تواقيع الناخبين للسماح لها بدخول المعركة الانتخابية.

4- تكبير حجم الدوائر الانتخابية بحيث تتساوى الدوائر في عدد المقاعد ويتساوى الناخبون في قيمة الصوت، ما يؤمن فعالية النظام النسبي. ففي حين أن النظام الأكثري يؤمن التمثيل الصحيح في الدائرة الصغرى التي تتألف من مقعد أو اثنين، ينجح النظام النسبي في الدوائر الكبرى، التي تحدّ من هدر الأصوات في بقايا الكسور وفي اللوائح التي لا تنال الحاصل الانتخابي، بما يحسّن من التمثيل الصحيح. وحيث إن للبنان خاصية المقاعد الطائفية وبوجود الخلل الديمغرافي بين الطوائف، فإن اعتماد الدوائر الكبرى بما يفوق 15 إلى 20 مقعداً، كمرحلة انتقالية للوصول إلى ثقافة انتخابية سليمة تقوم على الانتخاب لصالح البرامج وليس لصالح العصبيات الطائفية، يمكن عندها اعتماد الدائرة الكبرى، أي لبنان دائرة واحدة. ولكن مع اعتماد دوائر كبرى، تجدر الإشارة إلى أننا لا نستطيع اعتماد اللوائح المكتملة المقاعد في الدوائر الكبرى، كما لا يحبذ اعتماد لوائح مقفلة. بل حينها يمكن اعتماد صوتين تفضيليين أو أكثر مختلفين جندرياً وطائفياً وعمرياً.

أما التوصيات لتأمين أكثر شفافية للعملية الانتخابية فهي: 

أ - إلزامية الإدارة الانتخابية اعتماد نموذج أو تقرير يذكر فيه عدد أوراق الاقتراع التي تسلّم إلى كل قلم اقتراع، مع إلزامية عدّها قبل وبعد عملية الاقتراع، والتأكد من مطابقة العدد الإجمالي بعد الاقتراع، بحيث يذكر في المحضر عند فرز الأصوات عدد كل من الأصوات التي حصلت عليها اللوائح، وعدد الأوراق البيضاء، كذلك الأوراق الملغاة والأوراق التالفة وأخيراً عدد الأوراق غير المستعملة الممهورة منها بختم الوزارة وغير الممهورة. بما لا يسمح باستخدام الأوراق واستبدال الأصوات. كما يمكن ذكر أرقام دفاتر الاقتراع التي استعملت في المحضر ورقم آخر ورقة اقتراع. والسماح للمندوبين والمراقبين بأخد نسخة عن المحضر. بما يمنع بأي شكل من الأشكال إستبدال الأصوات بعد مغادرة المندوبين أو خلال عملية العدّ في لجان القيد.

ب - توحيد معايير سلامة الاقتراع لجهة إقفال الصناديق، بحيث يستلم رئيس القلم الصندوق مقفلاً بإحكام أي من الجهات الأربع، علماً أن صناديق الاقتراع التي استلمها رؤساء الأقلام كانت تحتوي على قفلين فقط. وذلك بما لا يسمح بتسريب أي من محتوياته قبل يوم الانتخاب، ولا يفتح إلا بوجود مندوبين من لوائح مختلفة يتم بعدها تسجيل أرقام الأقفال ومطابقتها مع المحضر المرفق من الوزارة الموجود داخل الصندوق والمختوم بختم الوزارة، ثم يعاد إقفال الصندوق من الجهات الأربع

لتبدأ عملية الاقتراع. ثم يعاد فتح الأقفال مع تسجيل أرقامها على المحضر نفسه، لتبدأ عملية الفرز، وعند اختتام عملية الفرز تعاد الأوراق غير المستعملة إلى صندوق الاقتراع مع باقي مستلزمات القلم التي نص عليها القانون الحالي، وتقفل بإحكام ثم يرفق المحضر المذكور مع المحاضر الأخرى وتوضع في ظرف وتقفل بالشمع الأحمر بعد أن يحصل المندوبون على صورة أو نسخة من محضر لأرقام الأقفال.

ج - اعتماد ورقة اقتراع أكثر سماكة مع إلغاء استخدام الظروف، بما يمنع تسريب القوائم الانتخابية خارج القلم. ويسهّل عملية الفرز ويسرّعها. كما ويؤمّن سرية الاقتراع. مع اعتماد نوع معين من الأقلام للتصويت.

د - ترتيب الأصوات عند عملية الفرز بشكل ممنهج، أي تجميع أصوات كل لائحة عند عملية الفرز بما يسهّل إعادة فرزها في حال كان هناك من ضرورة لذلك. إضافة إلى فصل الأوراق التالفة عن الأوراق الملغاة والأوراق البيضاء.

هـ - اعتماد إشارة واحدة وهي "تلوين" المربع أو الدائرة المخصصة للاقتراع لصالح إحدى اللوائح، بما يساعد في عملية الفرز الآلي في حال طبّق في الانتخابات التالية، ويمنع تعليم اللوائح ويوحّد آلية التصويت، ما يسهّل عملية الفرز ويحد من هدر الأصوات.

و – السماح للمندوبين والمراقبين بالتصوير داخل قلم الاقتراع لتوثيق المخالفات وتأمين الشفافية اللازمة لعملية الانتخاب.

ز – اعتماد المكننة في التصويت، أقلّه في تصويت المقيمين خارج لبنان بحيث يتم طباعة لوائح الشطب بعد عملية الاقتراع خارج لبنان. وبعد إزالة اسماء الناخبين الذين اقترعوا خارج لبنان. أو في أسوأ الحالات، حصر انتخاب كل من تسجل خارج لبنان في اقتراعه في إحدى الدول وعدم السماح له بالاقتراع داخل لبنان.

ح – تدريب كل رؤساء الأقلام على يد مدربين متخصصين بحيث توحّد كل المعايير ومنهجية العمل وطريقة احتساب الأصوات. كما توحّد الحالات التي تستدعي مساعدة المقترعين في عملية الاقتراع مثل ذوي الاحتياجات الخاصة، بحيث لا تبقى اسنتسابية وخاضعة لضغوط الماكينات الانتخابية.

ونختم تقييمنا هذا، بأن القانون 44/2017 أكد وفي أغلب مواده، أنه قانون يساعد الأحزاب الكبرى والزعامات الطائفية وتكتلات الطبقة السياسية الحاكمة على حساب التمثيل الصحيح والنخب الجديدة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard