ماذا يفعل حارس باب نادي Berghain "الملعون" في لبنان؟

15 نوار 2018 | 16:11

المصدر: "النهار"

شيء ما في نظرته الكالحة، (وفي الحالات القُصوى: المُهدِّدة)، وهذا الصمت الخطير والغاضِب، يجعل المئات الذين ينتظرون "الفرج" لساعات طويلة أمام المبنى التاريخي، يفترضون أنه أكثر رجال برلين قُسوةً، وأكثرهم عنفاً!


والأكيد أنه يتحكّم بهم وبمصيرهم وبقدرتهم على خوض هذه التجربة التي كُتب عنها الكثير والتي قد تستمرّ 48 ساعة متواصلة!

سفين ماركواردت، الحارس الرئيسي على باب النادي الليلي الأكثر شُهرةً في أوروبا، Berghain، "معضلة" عبثاً يُحاول الإعلام الغربي منذ سنوات أن يفهم سرّها.



وهو يُشرف، شخصيّاً، وبمُساعدة فريق عمله (الذي يرتدي ثوب العجرفة بمُفاخرة)، على الـ1500 "بني آدم" الذين سيتعرّون من أي تحفّظ خارجي قد يزيّن إطلالتهم الخادعة، وربما ليومين مُتتاليين يستريحان على التساهُل المُفرط في المتعة...وها هي الأجساد الغضّة تترنّح على صدى أنغام التكنو الصاخبة، وأيضاً على صدى الرغبات التي يُقال إنها، داخل Berghain، غير مُستترة وغير مُخفّفة بالتهذيب الظاهري!

وما من مرايا تعكس رائحة "الشبق" الذي يتجسّد في قطرات غير مروّضة من العَرق.

و"فوق هيدا وكلّو": ممنوع التصوير!

 ومن هذا المُنطلق، فإن كل ما يجري داخل جدران المبنى الذي تحوّل الشاهِد على النزوات الخطيرة التي تستفزّ الاختناق اليوميّ المولود من الروتين، يبقى داخله...نعم، هناك، حيث الجدران تُشارك في جريمة القتل التي "تستهدف" الدماثة والرقّة وآداب المُجتمع!



داخل نادي Berghain الليلي المُلقّب بالكهف، الدعوة مفتوحة ليخرج الوحش الضخم الذي يتربّص خلف إطلالتنا المدروسة على المجتمع. كما أن الدعوة مفتوحة لنرقص على أنغام أحلامنا التائهة بين الفواتير المُتراكِمة والخيبات المبتسمة بتعالٍ موجع!

فلنتعامل، إذاً، مع الموت، وكأنه الزائر الموقت والعَديم الأهميّة، إذا ما سمحت لنا الأيام بزيارة النادي الليلي الشهير!

"بس قبل هيدا كلّو"، لا بدّ لنا من أن نتمكّن من إغواء الحارس الرئيسي على الباب الذي تّزين الأوشام وجهه وجسده، أضف إليها الأقراط...وهذه النظرة اللئيمة والعديمة الرحمة!



قبل أن نُعيد صوغ ما ترمز إليه السعادة الموقتة، لا بدّ من أن نُقنع سفين ماركواردت، بأننا نستحق الدخول إلى حيث الموسيقى تُعيد رسم تضاريس الروح..."وإلا" سينظر إلينا بلامبالاة "قاتوليّة"، وسيُجيب نيابةً عنه أحد الحرّاس معه في فريق عمله "التقال الدم"، قائلاً بحزم "مُتعالٍ": "ما فيكن تفوتوا لأنّو نحن قرّرنا هيك!".

لكن، لحظة من فضلكم، هل هذا سفين ماركواردت، "يالّلي واقف هونيك" في إحدى زوايا صالة D Beirut المديدة القائمة في الكرنتينا، بدماثة مُقلقة، مُرتدياً الأحمر "الفاقع"، و"مُسايراً" العشرات الذين يقتربون منه بخجل، "وامضاً" إبتسامة لطيفة تبرز أسنان معدنيّة زائفة، وتخفي خلفها سنوات طويلة من الإبداع في عالم التصوير؟!



بالفعل، هو ماركواردت المُلقّب بسيّد الليل، يزورنا من برلين، ليقدّم لنا صوره الآسرة، التي يُصوّر معظمها في Berghain، خلال النهار.

سفين ماركواردت، الحارس الليلي "المُجرم" الذي يُقال إنه رفض دخول بريتني سبيرز إلى النادي الليلي ذائع الصيت، هو أيضاً أحد أهم المُصورين المتخصصين في الشارع في الساحة الأوروبيّة، وقد زار لبنان أخيراً، بدعوة من "معهد غوته" و"غراند فاكتوري"، لعرض صوره الرائعة التي تطل عموماً "بالأسود والأبيض".



سفين ماركواردت يعشق التصوير التماثلي أو Analogue Photography، حيث التركيز على تظهير الأفلام على الطريقة الكلاسيكيّة عوض الرقميّة الحديثة.

وهو يأسر جنون مدينة برلين الأقرب إلى خليلة جامحة مسكونة بالحكايات منذ أكثر من 30 سنة، ويبرع في ترجمة الشخصيّات التي يختارها صوراً تسكن الروح وكل من ينظر إليها وتستفزّه على الاعتراف بأن الاختلاف أقرب إلى السحر.



ولا يُزعج نفسه في تفسير صوره القاتمة والأقرب إلى قصص قصيرة يكتنفها الغموض، والسبب بسيط: "التفسير يُحرّرها من السحر ومن بريقها المحوري. الزائر له رواياته الشخصيّة لكل صورة، ولا علاقة لي بها، بطبيعة الحال".



وعندما إقتربت منه، بحذر، لأطلب منه صورة تلوّن أيامي الباهتة، نظر مباشرةً في عيني ولفترة خُيّل إلي أنها لن تنتهي، ومن ثم ابتسم ابتسامة عريضة، قائلاً بلطافة "ملعونة وعفريتيّة" بلهجته الألمانيّة المُحببة: Thank you for coming! ومن ثم انحنى نحوي قليلاً وكأن صداقة قديمة تجمعنا، وأذكر أنني هتفتُ بطريقة صبيانيّة وأنا أضحك من قلبي: Waw! It’s Really you!.

فإذا به يودّعني بضحكة خافتة، ما إن تمكّنت من تخليد اللقاء بصورة "ضبابيّة" وغير واضحة، قبل أن يختفي وسط الحشود!



عنوان المعرض كان Rudel وفيه اجتمعت السلطة وروح الجماعة وعناصر مماثلة تُجسّد الحياة الليليّة التي يعيش طقوسها منذ سنوات طويلة، وقد اختار لهذه السلسلة، بورتريهات لبعض العاملين معه في Berghain. فهو يعرفهم جيداً، ويفهم نزواتهم و"طلعاتهم ونزلاتهم".



وبالنسبة إليّ، هي صور "مؤرّقة" ودراماتيكيّة، ولمَ لا تراجيديّة، وقّعها مُبدع يعشق الإضاءة الطبيعيّة ويسير يومياً لساعات طويلة في برلين من دون أن ترافقه آلة التصوير، ليفهم المدينة التي يعشقها حتى الهوس. هي صور لفنان رقيق سأتذكر أسنانه المعدنيّة الزائفة لفترة طويلة!

                                 Hanadi.dairi@annahar.com.lb


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard