"السماء وقعت فعلاً"...أميركا تدشن سفارتها على خلفية بحر من الدم

14 أيار 2018 | 17:18

المصدر: "النهار"

مسعفون ينقلون فلسطينياً أصيب برصاص الجيش الاسرائيلي.(أف ب)

أصرّ الرئيس الأميركيّ دونالد #ترامب على نقل سفارة بلاده إلى #القدس في خطوة لا تحظى حتى بالحدّ الأدنى من الدعم الغربيّ، في ظلّ مقاطعة عالميّة بارزة. وهذا ما أكّدته اللائحة الصغيرة للدول التي حضرت حفل الافتتاح أكان من أوروبّا أو من سائر أقطار العالم. ومن الشخصيّات التي مثّلت الوفد الأميركي، إيفانكا ترامب وزوجها جاريد كوشنير ووزير الخزانة ستيفن منوخين ونائب وزير الخارجيّة جون سوليفان إضافة إلى أعضاء من الكونغرس الأميركيّ.

وحصل التدشين على خلفية بحر من الدم على الحدود بين قطاع غزة واسرائيل حيث قتل عشرات الفلسطينيين وجرح مئات آخرون كانون يحتجون على القرر الاميركي، برصاص الجيش الاسرائيلي. ولا تشكل هذه المواجهات ولا التدنّي الواضح في عدد الدول الداعمة للقرار الأميركي أيّ مفاجأة. ففي أواخر كانون الأوّل الماضي، صوّتت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة على رفض خطوة ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبغالبيّة ساحقة. فقد صوّتت 128 دولة لصالح قرار الرفض مقابل 9 أصوات معارضة، فيما اختارت 56 دولة أخرى إمّا الامتناع أو التغيّب عن جلسة التصويت. هذا الحدث دفع السفيرة الأميركيّة إلى الأمم المتّحدة نيكي هايلي إلى محاولة التخفيف من هذه المعارضة الدوليّة الشاملة. وقالت بعد ساعات على التصويت: "السماء لا تزال مكانها. هي لم تقع". لكنّ سفير السلطة الفلسطينيّة إلى الأمم المتّحدة حسام زملط ردّ على هايلي خلال مقابلة مع مجلّة "ذا واشنطن ديبلومات" مشدّداً على أنّها لا تريد أن ترى الحقيقة.

"السماء وقعت بالفعل، لكنّ نيكي لم ترها – ولا تريد أن تراها. عمليّاً، وقعت السماء على دور الولايات المتّحدة كوسيط، وعلى حلّ الدولتين". وإذا كان السفير الأميركي إلى تل أبيب دايفيد فريدمان من أشدّ المتحمّسين لقرار ترامب، فإنّ مجلّة "ذا واشنطن ديبلومات" كانت قد ذكّرت بالتقرير الذي أعدّته صحيفة "نيويورك تايمس" الأميركيّة في السابع من كانون الأوّل الماضي، حين أعلن 9 من أصل 11 سفيراً أميركيّاً سابقاً إلى تل أبيب رفضهم لقرار ترامب واصفين إيّاه ب "خاطئ التوجّه، خطير ومشوب بعيوب عميقة".

بين الأمن والسياسة

لم يكن هؤلاء وحدهم من رأوا في قرار ترامب خطوة سلبيّة، بل إنّ عدداً من المسؤولين داخل الإدارة الأميركيّة أبدوا تردّداً حيال إعلان ترامب أواخر العام الماضي، الأمر الذي عبّر بشكل واضح عن غياب حماسة، بأدنى تقدير، تجاه نقل السفارة الأميركيّة إلى القدس. في تلك الفترة، أعرب وزير الدفاع جيمس #ماتيس عن معارضته هذا القرار بسبب مخاوف أمنيّة، كما أشارت إلى ذلك تقارير مختلفة. واحتفظ وزير الخارجيّة السابق ريكس #تيليرسون بالمخاوف نفسها التي اعترت ماتيس. لكنّ مواقف الأخير تجاه الصراع العربي الإسرائيليّ أظهرت أنّ القلق الأمنيّ قد لا يشكّل وحده المحور الأساسيّ لموقف ماتيس تجاه خطوة البيت الأبيض.

"مثل شعاع من الليزر"

ردّاً على سؤال وولف بليتزر من شبكة "سي أن أن" حول التطوّرات في الأراضي المحتلّة، أعلن ماتيس المؤيّد لحلّ الدولتين، عن استحالة ديمومة الأوضاع على حالها. فخلال ندوة نظّمها "منتدى أسبن للأمن" سنة 2013 في ولاية كولورادو، أضاف ماتيس أنّه "يجب أن نجد طريقاً لتحقيق حل الدولتين الذي أيّدته الإدارات الجمهوريّة والديموقراطيّة". وانتقد المستوطنات الإسرائيليّة لأنّها "ستجعل من المستحيل الحفاظ على خيار الدولتين". وأشار إلى أنّ استمرار إسرائيل في توسيع مستوطناتها سيؤدّي بها في نهاية المطاف إلى أن تصبح دولة "تمييز عنصريّ"، شارحاً أنّ هذا لم الأمر لم يكن ناجحاً في آخر مرّة تمّ تطبيقه (جنوب أفريقيا) داعياً للعمل على هذا الموضوع بشكل ملحّ. "لقد دفعت ثمناً عسكريّاً أمنيّاً كلّ يوم كقائد للقيادة المركزيّة الأميركيّة لأنّه كان يُنظر للأميركيّين على أنّهم منحازون في دعم إسرائيل". وأشاد أيضاً بوزير الخارجيّة السابق جون كيري الذي كان مركّزاً "بحكمة" على حلّ الدولتين "مثل شعاع من الليزر" كما قال.

 

اطارات تشتعل فيها النيران في غزة.(أ ف ب)


أظهر ماتيس في ذلك الجواب إدراكاً واضحاً لعمق الصراع العربيّ الإسرائيليّ وتداعياته السياسيّة والأمنيّة على حلّ الدولتين. ومع مرور السنوات، حافظ ماتيس على النظرة نفسها تقريباً مع محاولته إظهار رأيه بطريقة ضمنيّة عندما كانت الظروف تفرض عليه ذلك. فحين خضع ماتيس لجلسة استماع أمام لجنة الخدمات المسلّحة في مجلس الشيوخ لنيل الموافقة على تعيينه وزيراً للدفاع، توجّه إليه السيناتور الجمهوريّ عن ولاية كارولينا الجنوبيّة ليندسي غراهام بالسؤال التالي: "ما هي عاصمة إسرائيل؟". فما كان من ماتيس إلّا أنّ أجاب: "عاصمة إسرائيل التي أذهب إليها، سيّدي، هي تل أبيب، لأنّها (مكان) وجود جميع أفراد حكومتهم". لكن حين عاد غراهام وسأله عمّا إذا كان يوافق على أنّ القدس عاصمة إسرائيل، تفادى الإجابة قائلاً: "سيّدي أنا ألتزم الآن بسياسة الولايات المتّحدة". وأمام إصرار غراهام على استكشاف موقفه من اعتزام ترامب نقل السفارة إلى القدس، تفادى ماتيس الإجابة مرّة أخرى محيلاً الردّ على هذا السؤال إلى وزير الخارجيّة.

لا تزال المواقف القديمة لماتيس تُواجَه بمعارضة شرسة من مؤيّدي اليمين المحافظ في الولايات المتّحدة لعدد من الأسباب بما فيها موقفه من الاستطيان. فقد كتب أد سترايكر في موقع "أميركان ثينكر" مقالاً رأى فيه أنّ ماتيس "يبدو دائماً على الجانب الخطأ من كل مسألة" ذاكراً الاستيطان كأحد الأمثلة ومتسائلاً عن السبب الذي يدفع ترامب إلى إبقائه في منصبه.

قد لا يكون لماتيس موقف علنيّ ممّا يحدث اليوم في القدس، لكن بالعودة إلى مواقفه وتحليلاته السابقة، ليس من المستبعد أن يكون ماتيس على تناقض ضمنيّ لكن جذريّ مع موقف رئيسه في البيت الأبيض.


"سيكومو" مارد الكرتون

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard