أبو العباس في الطبقة السابعة

11 نوار 2018 | 17:35

المصدر: "النهار"

انفجار بركان (تعبيرية).

- بْلْعْبَّاس!! بْلْعْبَّاس!!  

قبلَ أن تقتلعه مِن غفوته أخيراً، كادَتِ الصيحاتُ تبلغُ الطبقة السفلية وتصلُ الشارع وتصير استغاثات. لولا أن الصدى ليس من شيمته التدحرج. بْلْعْبَّاس صار يغفو حيثما جلس. شاخ وجاوزَ سن التقاعد ولم يغادر. قضى سحابةَ عمره خادماً لهذه البناية، يحمل تاريخها ويسكن مبنىً مُلحقاً. مذ كانت مجردَ طبقة أرضية وحيدة يديرُها فرنسي غداة جلاء المستعمر. النصراني، كما يُسَميه. هي الآن سبع طبقات مشيدةً بمعايير عصرية وكل شيء فيها إلكتروني. حتى الصنبور، حتى قنوات الصرف الصحي لها مضخات إلكترونية.

الساعةُ الخامسة مساءً والبناية فارغة. قام بلعباس في وهن رغم بنيته القوية. ما زالت.. فقد كان بستاني النصراني، وكان النصراني مديراً لطيفاً، هو وزوجتُه، ولما حان وقتُ جلائه هو كذلك أدمجَه في سلم الإدارة عونًا عمومياً كيلا يتشرد من بعده. النصراني استشعرَ أنانية المسْتقِلِّين الجدد. مقهورُو البارِحة قاهِرو الغد. بأسُهم بينهُم شديد. غالباً..

هادئاً قصد بْلْعْبَّاس مكتبَ المدير يخاطِبُ نفسه: "صراخُ المدير غالباً لشيء بسيط هين.. أما الأمور المهمة ففي طي الصمت والكتمان..". حين دخل الحجرة طلب منه الشاب الوسيم الأنيق فنجانَ قهوة. خرج بْلْعْبَّاس يخاطب نفسه من جديد: "ألم أقل لكِ؟".

عاد بالفنجان ووضعه فوق المكتب. همَّ بالانصراف فاستوقفه المديرُ الشاب واضعاً كَفيْه على خاصرتيه وقال: "- مُستقبَلا أجبني بسرعة! حتى اسمك لا يساعد على النداء .. يُتعِبُ الحنجرة.. أتساءل مِن أين لك بهذا الاسم الضخم؟".

توهم بلعباس أن السؤالَ استفهامٌ حقيقي فقال:

- من أبي العباس السبتي.. هل تعرفه؟

تبسم المدير وأجاب بالنفي، ثم أشار إلى العون أن يحكي. لا بأس بدقيقة تسلية. استبشر العونُ وطفقَ يحكي كيف أن أبا العباس السبتي كانَ وليَّ الفقراء، شعارُه: "الوجودُ ينفعل بالجود.. وهِمَّةُ الرجالِ العطاءُ لا الأخذ"، وكيف أنه مرَّ يوما في أحد دروب مراكش فلقي فقيراً عليه ثياب رثة تبدو منها عورتُه. رقَّ لحالِه وأمرَه أن يتبعه حتى خرجا من باب تاغزوت حيث كانت هناك مِغسلة مُغطاة. دخلها أبو العباس ونزع ملابسَه ومدَّها للرجل من فوق الباب وأمره بالانصراف وتركِهِ عارياً من كل شيء. ما دام في الجيب شيء لا يأتي من الغيب شيء. حارَ الفقيرُ في الأمر واقتعدَ جداراً هناك يترقب. مالت الشمس للغروب وأطبق الحارسُ إحدى دفتي باب تاغزوت تمهيداً لإغلاقها التام. ثم ما لبث أن ظهر فتىً على دابة يحمل رُزمة. سأل الجالسَ الوحيد هناك على الجدار إن كان رأى الشيخَ أبا العباس. مندهشاً، أشار الرجلُ إلى المغسلة: "إنه هناك.. لكن قل لي ماذا وراءك؟". أجابه الفتى: "هذه رزمة ملابس أرسلتها إحدى الكرائم هديةً للشيخ كي يدعوَ لها بالمواظبة على الصلاة".

حين خرج أبو العباس من المغسلة بثيابه الجديدة هبَّ إليه الفقير ذاهلاً فقال له قبل أن يسأله: "حاشا أن يتركني من وثقتُ بما في يده أكثرَ مما في يدي..".

سكتَ بْلْعْبَّاس ونطق المدير:

- شْكُونْ عَاوْدْ لكْ هَذْ الخرافة؟

- هذه ليست خرافة .. هذه كرامة من الله لأوليائه.. حكاها لي والدي وأنا صغير، وأكدَها لي ابني حين قرأ الكتب..

افتعلَ المديرُ الشابُّ الدِّيكَارْتِي اندهاشاً طفولياً ومدَّ لسانَه بصبيانية ثم أمر بْلْعْبَّاس أن ينصرف. احتسى القهوةَ، وسألَ الفنجانَ هازئاً أن يُنسيَه الحكاية كيلا تشغل ذاكرتَه القصيرة دون جدوى أو مغنم. الحياة أهداف صغيرة. وفقط. دون غايات. ثم وضع الفنجان وغاص في جداولَ ورسومٍ بيانيةٍ ولوحاتِ قيادة وتقاريرَ لاجتماع مركزي في الغد. أين من هذا بْلْعْبَّاس. بْلْعْبَّاس قُرُوسْطَوِي..

لكنَّ للقهوة مقالب. ما لبث أن أحس المدير بمغص شديد، فقام مسرعاً لبيت الراحة. ومع أنه لاحظ مستوى الماء في قعر مقعد المرحاض ينخفض ويرتفع، إلا أن الحاجَة استبدت به فلم يأبه. جلس. وما إن قضى حاجتَه حتى انخفض منسوب الماء لأدنى مستوى ثم اندفع كانفجار بركان ردَّ للمدير بضاعتَه. آه.. فعلتها مضخةُ الصرف الصحي الإلكترونية. تذكَّر يومَ سألَ المكلفين بالصيانة عن إمكان وقوع ذلك نظرياً، بسبب تنازعٍ مَا، بين مضخات الطوابق، فأجابوه مبتسمين. ذلك ممكنٌ ولكن باحتمال واحدٍ في المليون أو في المليار. وكانَ ما كان أنْ وقع الاحتمال عليه. من دون المليون أو المليار. تبللت ملابسه وتلطخ جسدُه. واشمأز من نفسه وبضاعته. وعاد يصرخ من جديد..

- بْلْعْبَّاس!! بْلْعْبَّاس!!

تناهى النداءُ ثانية إلى سمع بْلْعْبَّاس فهب من مكانه. لم يجد المديرَ في مكتبه. تتبع النداء ليجدَه معتقلا في بيت الراحة ولا راحة. روائح. أمره بإحضار هاتفه. ناوله إياه. سمعه من وراء الباب يحدث زوجته. يطلب منها أن تأتيه بملابس. كان متوتراً يراجعها الكلام كأنها تعتذر بقوة قاهرة أو تستمهل وقتاً أطولَ مما يطيق. وهل هناك ما هو أشد من تلك القوة القاهرة.. ثم سكت. اقترب بْلْعْبَّاس من باب المرحاض المغلق وقال:

- هل باستطاعتي فعل شيء يا سيدي؟

لبثَ المدير صامتاً بالداخل. واجِمًا، غاضبًا، محرَجًا، مُحبَطًا.. وبعد سكون طويل قال هامسًا:

- بْلْعْبَّاس.. ما زلت هنا؟

- نعم سيدي.

- أغثني بملابس يا بْلْعْبَّاس.. أي ملابس.. لا أطيق نفسي.

هب بْلْعْبَّاس لبيته أسفل البناية وفي طريقه أغلق بوابتها. ثم سارع إلى المدير المُحتجزِ ببعض الثياب، ريثما تصلُ رُزمتُه.

ربيع كيروز عشرون عاما من الشغف، وتستمر الحكاية


عشرون عاماً مرّت وكأنها شريط سينمائي بالأبيض والأسود يروي حكاية شغف بالفن، ويترجم عشقاً بالمرأة ويروي حكاية بلد صغير، انتج عملاقاً في مجال الإبداع والخيال الذي لا يعرف حدوداّ. لقد انضم المصمم العالمي ربيع كيروز  رسمياً الى حلقة المبدعين في الهوت كوتير والتي لا تحوي إلا اسماء قليلة من التي تغص وتضجّ بها الساحة المحلية والعالمية وتأخذ حجماً في وسائل الإعلام لدينا  أكثر مما ينبغي. التقينا بالمصمم ربيع كيروز في دارته الجديدة في الجميزة، وللمناسبة قام المصمم المبدع بتغيير اللوغو مركزاً على حرف R اي الراء بالأجنبية ليترجم العودة واستعادة الماضي وأيقوناته بروح متجدّدة فمن ليس له ماضٍ، لا حاضر له!  وفي هذه المناسبة عبر المصمم في حوار خاص أعددناه احتفالاً بمرور عشرين عاماً على الدار في لبنان عن مدى سروره بمسيرته كمصمم انطلق من لبنان الى العالمية، فقال: "منذ عشرين عاماً بدأنا، ومنذ عشر سنوات حقّقنا حلم افتتاح مقرّ لنا في باريس، ;كنّا ثلاثة أشخاص عندما زرنا لأول مرة المقر الذي سنفتتح فيه في باريس، واليوم بتنا ثلاثين شخصاً هناك، واليوم غدا هذا الحلم حقيقة بفضل فريق العمل والصحافيين الذين آمنوا بي، فلهم أقول شكرا".نجدها من مربع ومستطيل، فاللغة باتت عالمية والأشكال الهندسية لطالما الهمت هذا 

يستعيد ربيع كيروز مخزون عشرين عاماً ويقول:" أدين بجمال البدايات الى أول عروس قصدتني، لأنها وثقت في من دون أن ترى تصاميمي وكانت بداية المغامرة... لا زلت أذكر الخوف الذي كان ينتابني عندما أُظهر أول رسم للفستان للعروس، وأول رجفة قلب عندما أعتلي الخشبة...وهو أمر جيد لأن إحساس المرة الأولى الذي يرافقنا يدفعنا الى الأمام، فهذا القلق الدائم هو الحافز للتقدّم...

آخر مجموعة لي أسميتها "الحمد الله" وأنا ممتن لكلّ من عملي معي... لتلك الأيادي الصغيرة التي ترجمت أفكاري وممتن للأربعين فرداً من عائلتي الذين رافقوني في مشواري... وأنا ممتن لرئيسة تحرير فوغ الفرنسية سوزي منكيس لأنها قارنتني بمهندس الديكور، وأنا أعتبر أنّ الفستان هيكل جميل لا يحتاج الى زخرفة... العمل في لبنان مغامرة جميلة فنحن محاطون بأناس طيبين وكان يمكنني البقاء في باريس ولكن ثمة مغناطيساً يشدّني الى لبنان ولا أندم أبداً على البقاء فيه فلبنان بلد يربّي لنا أجنحة ويرفعنا الى العالمية...

في العام 2009 استقبلتني نقابة الأزياء في باريس وبعد عشر سنوات بتّ عضواً دائماً في قريق من المصممين الراقيين المحصورة بٍ 17 مصمماً فقط. مصدر إيحائي من روحي الشرقية ومن شمس بيروت وأنفذ تطريز الخيط في لبنان وكل الطلبات التي تردني من البلدان العربية... لا تتصورون فرحتي بأن عائلة ربيع كيروز باتت تحت سقف واحد وأتأثر عندما تقولون لي بأنني قدوة ومنذ عشر سنوات أسست مع تالا حجار مؤسسة ستارتش لدعم المواهب الجديدة وأطمح الى العمل على تطوير ودعم الحرفيين فنحن لا أتصور نفسي اصمم في ساحة لوحدي، فبرأيي ما في واحد يلعب وحدو بالساحة، بيزهق!".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard