سر اليمامة

10 نوار 2018 | 12:01

صورة تعبيرية

في الحي الذي أسكن فيه يمامتان 

تتنقلان معاً ولا تفترقان

لا تكاد الأولى تحط حتى تحط الثانية

لا تكاد الأولى تطير حتى تطير الثانية

أراهما تأكلان في حديقتي الصغيرة في الصباح الباكر، ومن ثم تتنقلان بين الشجر وشريط الكهرباء والطريق الفرعية، كأنهما لا تغادران الحي

معا تبقيان، لكنهما تتحركان كلٌّ على طريقتها في المكان نفسه.

وتتركان بعض المسافة بينهما

قلت في نفسي، لعلهما قرأتا نص جبران عن الزواج، الذي يدعو فيه الى ترك مساحة بين الزوجين.

لكني سرعان ما ضحكتُ من نفسي.

جبران على الأرجح هو الذي راقب اليمامات وتعلم منها قواعد العلاقة السليمة بين الزوجين.

لاحظتُ في أحد الايام ان إحداهما تقف وحيدة على شريط الكهرباء وعلى غير عادة.

شعرتُ بغصة وحزن شديدين، وراقبتُ الوضع طوال النهار، لعل اليمامة تعود إلى رفيقتها.

وهذا ما لم يحدث.

في صباح اليوم التالي أسرعتُ باكرا إلى الحديقة، وإذا بي أرى اليمامتين معا.

كم كانت فرحتي كبيرة.

ما الذي حصل؟

ما سر غياب اليمامة وعودتها؟

بدأت اسئلتي تتسابق.

هل اليمامة التي اختفت ومن ثمّ عادت هي ذكر ام انثى؟

هل كانت اليمامة مريضة؟

هل ذهبت في زيارة خارج الحي؟

خيانة عابرة وانتهى الامر؟

ام ان اليمامة لم تعد، فقد ماتت بالسموم التي يتعمد اللبنانيون من خلال رميها على الارض هذه الايام، التخلص من بعض الطيور؟!

هل تكون اليمامتان اللتان رأيتهما مجددا معا، هما غير اليمامتين اللتين كنت تعودتُ رؤيتهما؟

ازداد الغموض وذهبتُ مسرعا الى "غوغل" لعلني اتعرف اكثر إلى هذا النوع من الطيور وعاداته.

لم اجد الشيء الكثير.

فهمتُ انها طيور دجّنها الانسان منذ نحو الألفين سنة.

ابتسمتُ لمعلومة تبرر بعض الشيء اسئلتي التي حاولت فيها ان "أُسقط" على اليمامة عاداتنا الإنسانية.

عرفتُ ايضا أنها ترمز إلى الحب والإخلاص والسلام.

وعندما استفسرتُ عن العلاقة بين الجنسين، قال لي احد الأصدقاء ان اليمامة هي في الاجمال احادية الزواج، مع بعض الاستثناءات.

حصلتُ على معلومات أخرى لكنها لم تساعدني للأسف في ان أفهم ما الذي حصل بالفعل مع اليمامة التي اختفت.

بعد ان استسلمتُ وتوقفتُ عن البحث، عدت الى نفسي وتساءلت عن سبب هذا الجهد البحثي حول موضوع الاختفاء والعودة.

تذكرتُ ما قاله روسو: "لا نحاول الفهم الا لاننا نرغب بالاستمتاع".

قول روسو ينطوي على شيء من الحقيقة في ما يخصني، لكنه لا يشفي غليلي.

فلماذا الحزن عند اختفاء اليمامة، ولماذا الفرح عند اعتقادي انها عادت؟

هل هو تعاطف إنساني مع الحيوان؟

اعتقد أن الأمر ابعد من ذلك.

فقد كان الحزن شديدا وكانت الفرحة عارمة.

قل لي اذاً

ما سرّ اليمامة يا عزيزي؟


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard