كيف تستفيد روسيا من "خلقها الفوضى" للناتو في البحر الأسود؟

7 نوار 2018 | 19:29

المصدر: النهار

بوتين خلال احتفال تنصيبه في 7 نيسان 2018 بالكرملين (أ ف ب).

أدّى الرئيس الروسي فلاديمير #بوتين اليوم اليمين الدستورية ليتولّى فترته الرئاسيّة الرابعة في الحكم والتي تنتهي سنة 2024. وتعهّد بوتين بالعمل بكلّ إمكاناته "لزيادة قدرة وازدهار ومجد روسيا" خلال الفترة المقبلة. تعتبر مقارعة الأميركيّين في شرق أوروبا والشرق الأوسط الطريق الأضمن لاستعادة "الأمجاد" الروسيّة بحسب وجهة نظر الرئيس الروسيّ. لذلك من المتوقّع أن تزداد احتمالات تصاعد التوتّر مع حلف شمال الأطلسي #ناتو ومع الأميركيّين بالتحديد في الأشهر والسنوات المقبلة. وقد لا ينتظر العالم كثيراً حتى يشهد مناطق توتّر جديدة بين #موسكو و #واشنطن إذ يبدو أنّ منطقة البحر الأسودتظهر مؤشّرات سلبيّة في هذا المجال.

عملت روسيا كثيراً في السنوات الأخيرة على مضايقة السفن والطائرات الحربيّة الأميركيّة في تلك المنطقة. وقد لا يتغيّر الأمر كثيراً بعد الانتخابات الروسيّة الأخيرة التي فاز خلالها بوتين في 18 آذار الماضي، خصوصاً أنّ ذاك التاريخ يجسّد الذكرى السنوية الرابعة على ضمّ روسيا للقرم، شبه الجزيرة الواقعة على الضفة الشماليّة للبحر الأسود. فيوم الثلاثاء الماضي، اعترضت مقاتلة روسيّة من طراز سو-27 طائرة استطلاع تابعة للبحريّة الأميركيّة حين كانت تحلّق في الأجواء الدوليّة فوق البحر الأسود. وجاء الاعتراض بطريقة "غير مهنيّة" كما قال مسؤولان في وزارة الدفاع لشبكة "سي أن أن" الأميركيّة، إذ حلّقت المقاتلة بالقرب من الطائرة على بعد حوالي ستة أمتار ولنحو تسع دقائق. وكان آخر حادث مشابه قد حصل في أواخر كانون الثاني الماضي وقد سبقه حادث آخر في تشرين الثاني أيضاً.

دول "زبونة" 

بالنسبة إلى أنغس روس البروفسور في المعهد الحربيّ الأميركيّ وأندرو ساشفنكو الكاتب في المخاطر السياسيّة ضمن الفضاء ما بعد السوفياتي، هنالك تفاسير متعدّدة لهذا السلوك الروسيّ الذي يظهر أنّ دولاً معيّنة قد تخاطر بتصعيد غير محدود للدفاع عن مصالحها الخاصّة. فالبحر الأسود نفسه يقع وسط ما تراه موسكو نفسها كمنطقة عازلة تمتدّ من أذربيجان شرقاً مروراً بالقوقاز وجورجيا وصولاً إلى أوكرانيا ومولدوفا في الغرب. وكتبا أنّ روسيا "تسعى للتسبب بالفوضى للناتو" في البحر الأسود مضيفين أنّه في عالم مثاليّ، يجب على هكذا منطقة أن تكون مكتظّة بالدول المتجانسة مع سياسات روسيا الكبرى. لكنّ هذه الدول "الزبونة" لا تستطيع أن تكون موجودة بلا راعيتها الكبيرة إذا ابتعدت عنها، وبالتالي سيؤدّي هذا الابتعاد إلى التحاقها بالدول الغربيّة. فهذه الدول الصغيرة قد تخدم كمدخل مناسب للدول المناوئة لموسكو من أجل أن ترسم الفضاء المعلوماتي الروسيّ. ومع أنّ القوى الدولية الأخرى تنظر إلى هذا السلوك على أنّه عدوانيّ، فإنّ "روسيا ترى هكذا تصرّفات على أنّها دفاعيّة بحتة بطبيعتها".

تحدّيات جديدة 

لا شكّ في أنّ تحديث روسيا لأسطول البحر الأسوديقدّم مثلاً عن أهمّية تلك المنطقة بالنسبة إلى موسكو. وقد يكون من الممكن النظر إلى هذا التطوير على أنّه أحد ثمار ضمّ القرم الذي جناه الروس والذي قد ينتج ثماراً أخرى لهم في المدى المتوسّط داخل وخارج تلك المنطقة. يرى أليكس شنايدر من "مركز الأمن البحريّ الدوليّ" أنّ ضمّ روسيا للقرم كان ضربة استراتيجيّة أعطت تأثيرين مباشرين لصالح الروس: فقد أزال قدرة كييف على تقييد وتحديث هذا الأسطول ووسّع قوّته وحجمه. فقبل ذلك، ووفقاً لاتفاقيّة خاركوف (2010) بين موسكو وكييف تمكّن الروس من تمديد مرابطة أسطول البحر الأسود في أوكرانيا الذي كان موجوداً في الأساس ضمن مرفأ سيباستوبول الأوكراني الواقع في القرم. من خلال شروط الاتّفاقيّة، كانت كييف قادرة على منع بناء أو تحديث ذلك الأسطول. لكنّ ذلك تغيّر بعد سنة 2014. وأضاف أنّ هذا التحديث سيؤمّن القدرة على النفاذ إلى المحيطات ومدّ نفوذها على الممرّات المائيّة الدوليّة ممّا يشكّل تحدّيات جديدة للولايات المتّحدة وحلفائها في الناتو.

أ ف ب

قد لا تسود شكوك حول الأهمّيّة الاستراتيجيّة الكبيرة للبحر الأسود بالنسبة إلى روسيا، الأمر الذي يدفعها إلى اتّباع سياسة متشدّدة في أجوائه تحمل الكثير من مخاطر الاصطدام مع الأميركيّين في المنطقة. لكن مع ذلك، ليس من المستبعد أن تشكّل تلك المنطقة مسرحاً مناسباً لموسكو تستفيد منه أيضاً من أجل تشتيت الغربيّين في شرق أوروبّا. 

بصمة استراتيجية 

منذ أقلّ من سنتين، رأى الباحثان ستيفن لارابي وستيفن فلاناغان في مؤسّسة "راند" للأبحاث، أنّ ردّ الولايات المتّحدة والناتو على سياسة روسيا في أوروبا منذ سنة 2014، ركّزت بشكل مكثّف على ردع التهديدات الروسيّة لمنطقة البلطيق. وكتبا أنّه فيما يأخذ الغرب خطوات دفاعية في هذه المنطقة، يجب عليه أن يولي اهتماماً متزايداً لتطوير الردع والأمن في البحر الأسود. وشرحا أنّ ضمّ روسيا للقرم حوّل ميزان القوة العسكرية في البحر الأسود وضاعف البصمة الاستراتيجيّة الروسيّة. وبالإضافة إلى السيطرة الكاملة على مرفأ سيباستوبول كأهم ميناء في المنطقة، سيطرت موسكو أيضاً على ثلاث مرافئ بحرية أوكرانية في القرم.

في نهاية المطاف، قد تشكّل المضايقات الروسيّة للسفن والطائرات الأميركيّة جزءاً من سياسة روسيّة مزدوجة الأبعاد: الحفاظ على ما تحقّق من مكتسبات لموسكو خلال السنوات الأربع الماضية وتوسيع النفوذ في المنطقة "العازلة" بالقرب من الحدود الجنوبيّة الغربيّةلروسيا. انطلاقاً من هنا، من غير المستبعد أن تتأمّن للمتابعين أسباب كثيرة في المستقبل القريب لمراقبة وتيرة المضايقات وإمكانيّة إطلاقها حوادث ليس من المعروف بعد حدود ضوابطها أو تداعياتها.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard