هل الفوز في الانتخابات تماماً مثل بناء الأمة؟

5 نوار 2018 | 22:48

لقد أظهر هذا الموسم الانتخابي أنهم شديدو الاختلاف في أهدافهم وطِباعهم. سيكون المجلس النيابي الجديد عبارة عن صفائح تكتونية بينها تفاوتٌ كبير. لقد ترافقت هذه الانتخابات مع انهيار بعض التحالفات السياسية التقليدية الأساسية التي حلّت مكانها تحالفات جديدة، جزءٌ كبير منها هو تحالفات انتهازية. ثمة تصدّعات واضحة جداً في الأسس التي سيقوم عليها المجلس النيابي الجديد الذي يمنحه الدستور صلاحية وضع التشريعات والقوانين، فيما يشكّل الآلية الرئيسة للعدالة السياسية.

 ستكون المهمة الأولى الملقاة على عاتق البرلمان الجديد في لبنان، حافلة بتحدّيات جمة، وتتمثل في إعادة بناء الثقة داخل القوى السياسية وفي ما بينها. وسوف تُظهر تركيبة الحكومة الجديدة إلى أي حد سيتمكّن نوّابنا من النجاح في هذا الامتحان الذي يفضح كل شيء. ففي غياب الأسس التي تتيح للتحالفات السياسية والنوّاب والمواطنين الجلوس معاً، وتبادل النقاش، وإقرار التشريعات، لن يكون لدينا برلمان تستطيع البلاد التعويل عليه لتثبيت دعائم مؤسسات الدولة وتنشيط النمو الاقتصادي-الاجتماعي. وفي هذه الحالة، قد يكون من الأجدى عدم إجراء انتخابات نيابية، فاستبدال منظومة منهارة ببضاعة فاسدة ليس بالأمر الجيد على الإطلاق لهذه البلاد!

 هل سيتمكّن ممثّلونا الجدد من رأب الصدع في مجلس نيابي يعاني من كل هذا الاستقطاب والخلل الوظيفي، ويرزح تحت وطأة الشكوك والمصالح المتلوِّنة بألف لون ولون كما الحرباء؟ يجب أن تذهب المهمة الملقاة على عاتق المشترعين أبعد من مسؤولية إعداد، واقتراح وإقرار مشاريع قوانين تعكس احتياجات الناخبين والفرص المتاحة لهم. إنه مطلبٌ كبير، وقد يقول البعض إنه مثالي جداً إلى درجة أنه لا جدوى حتى من تكبّد عناء طرحه والتشجيع على تحقيقه. إنما من السهل جداً تحميل النواب العتيدين مسؤولية التشريع وبناء الأمة فقط.

 نعم، السياسة شخصية. لكن التصويت شخصي أيضاً. وفعل التصويت هو الفعل الأول الأهم في العملية السياسية. سوف تُحدّد نتائج اقتراعنا ما هي الأوراق التي ستلعبها بلادنا في الأعوام الأربعة المقبلة. فما هي المعدّات التي سنزوّد بلادنا بها للمرحلة القادمة؟ هل سنعطيها أوراقاً خاسرة؟ أم فرصة لتحقيق الفوز في جولات متتالية؟ أم قدرة طويلة الأمد لبناء نصر تلو الآخر؟ إن تزويد بلادنا بالحظوظ الأعلى لاستعادة السيطرة على الدستور وإعادة العمل به، تتطلب تحوّلاً أساسياً في الذهنية فيما نتوجّه، نحن الناخبين، إلى صناديق الاقتراع غداً.

 لا داعي لأن يكون الصوت التفضيلي الذي سنضعه في صناديق الاقتراع مناورة حسابية تساهم في تعزيز مصالح الأقوى والأعلى صوتاً في السلطة. ليست المسألة المطروحة في الصوت التفضيلي، لمَن سنصوّت، بل لأجل ماذا سنصوّت؟ أي لبنان نريد أن يبقى ويكون النجاح حليفه؟ إلى أي درجة سنعطي، نحن الناخبين، البرلمان الجديد الحظوظ الأعلى للانتقال بنجاح إلى دينامية قوامها الفطنة والتعاطف والطاقة من أجل تحقيق الازدهار في المدى الطويل؟ أي لبنان سنصوّت له غداً؟ لبنان الذي سنصوّت له يجب أن تكون لديه الحظوظ الأعلى لتحقيق المصالحة وبناء الأمة من أجل المستقبل.

 الاستراتيجيا الناجحة في انتخابات 6 أيار هي تلك التي لا تأتي على حساب لبنان وطنياً وإنسانياً واقتصادياً. وعلينا نحن الناخبين أيضاً أن نُظهر ماذا يعني بناء الأمة وممارسة مسؤوليتنا بمنح بلادنا ما تستحق: فرصة جدّية ليس فقط لإطلاق مهمة إنقاذية، إنما والأهم، إتاحة المجال أمام التقاء المكوّنات المناسبة من أجل تحقيق الاستدامة الاقتصادية-الاجتماعية والازدهار.




إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard