رحلة في شمال قبرص: مكيدة العشق (صور وفيديو)

23 نيسان 2018 | 19:10

المصدر: "النهار"

مشهد من شمال قبرص.

يتّفق الهواء مع الشمس والبحر على ولادة نهار رائع يبتسم فيه الوجود. صمتٌ عظيم يخرقه تخبّط الموج، يرفع الزائر إلى فضاءات من جمال وخيال. بدأت فرادة اللحظة تتجلّى منذ الوصول فجراً إلى شمال قبرص بدعوة من حكومتها لاكتشاف المكان. فجرٌ مسكونٌ بالنسمات واستعداد الشمس للشروق، مُنعِمة على البشر هنا بالدفء وسعادة الطبيعة. نصل بعد رحلة ليلية، ولولا إرهاق الجسد، لما كانت العين لتشتهي النوم، بل ستختار الصحو لتأمّل عناصر المكان، ومحاكاة تفاصيله، والتشبّع بروح الأشجار والعصافير والجبال في لقياها بانفلاش البحر.

المكان في ذاته

بعض الأماكن يمكن تجريده من كلّ شيء والإبقاء عليه موصوفاً بالفرادة الصافية. شمال قبرص من هذا الصنف، يسهل الوقوع في حبّه وفخّه وقبضته الجمالية. لسنا في حسابات التاريخ ومحاكمات الجغرافيا. التجرّد قد يجوز حين يتفوّق الحيّز فيترك في النفس اكتفاء وبهجة. نحن ومجموعة صحافيين لبنانيين في مَهمة اكتشاف المكان وتعريفكم إليه، فتصبح المَهمة شيئاً من شغف الكتابة في أدب الرحلات، واصطحاب أفضالكم في جولة. 

ترتسم الجبال على هيئة لوحة أتقنت الريشة حفرها في السماء. جبال مروّسة، تميل في الظلّ إلى الأسود الأنيق حين يُلقى على جسد امرأة. المكان مُغمَّس بالدفء طوال تسعة أشهر من السنة والمسافة قريبة بين شمال قبرص ولبنان والدول العربية، لا يحتاج زائرها اللبناني إلى تأشيرة دخول عبر #تركيا، كذلك الزوّار من بعض أوطان العرب. لا أدري لما كان لبنان فائق الحضور في هذه الرحلة. ربما لتشابه عظمة الطبيعة والحاجة إلى التعلُّق بأول مكان يوقظ الحنين إلى أرض نعشقها. الشارع على البحر، مزدحم بالسواح: أتراك، عرب، روس، وجنسيات من العالم، هاربون من ضجيج الأيام وتوتُّر العُمر. هنا، البحر وموسيقى المحال المجاورة ورائحة الطعام، "مكائد" تستميلك للاستراحة وتمنّي الانفصال عن فظاعة الكوكب، والاكتفاء برؤية حمامة تُصدر أصواتاً إلى جانب مركب، وكلب يستريح في الفيء وعصفور يلهو حراً على شجرة، فيما هواء الصيف يطارد أجساد المارة، والمكان بأسره يُحيي نفوساً خائفة من مرور الأيام بسرعة والنهايات الدرامية العاجلة.

في وصف داخلٍ متكامل 

تستيقظ مُشبّعاً بمشهدية تُشعرك بالسعادة من دون استدعائها وتوسّلها الالتفات إليك. الحياة مختلفة في فندق "Merit Royal"، كأنّك إنسان آخر، أكثر إدراكاً لمعنى التجربة المُرفّهة واختبار العيش الفخم. أربعة أيام ونحن أصدقاء البحر، نصبّحه ونلقي عليه تحية المساء. المشهد من الشرفة يُغني عن أيّ نشاط خارجي: رمال ساخنة يستلقي عليها بشرٌ يبحثون عن سُمرة الأجساد، بحرٌ أمواجه تتسارع وفق سرعة الهواء، تلامس أقدام النائمين على الرمال، وامتداد مدهش للأرزق المستلقي في حضن الأفق. تحار العين أيّ أطباق تقدّمها لذاكرة متضوّرة لحفظ الجمال. طبق امرأة في حوض السباحة الداخلي، تراقب اتّجاه الشمس وهي تفترس جسدها وترجوها مزيداً من الافتراس، أو طبق الجالسين على البار، في زاوية أخرى من المكان، يحتسيان كأساً ويبتسمان. أو ربما طبق الخارجين من النادي الرياضي ونبضات قلوبهم تكاد تُسمع مثل موسيقى اللحظة السعيدة. هنا الداخل سلّة متكاملة، يكتفي به المرء بسرور مَن يحضر كلّ شيء من أجله، وفق أمزجته، فإن طلب المزاج بحراً، كان له، أو أناقة المطبخ الإيطالي كان له، كما لذّة بهارات المطبخ الصيني أو ثمار البحر أو حتى كوب شاي هادئ مع مكسّرات مالحة، يحلو تذوّقها بعد جلسة جاكوزي أو تدليك، تدلّل الروح قبل الأجساد المتعبة.

في وصف خارجٍ مُكمِّل 

شمال قبرص "مكيدة"، نكرّر. مكيدة عشق، فالمكان مُجهّز لاختراق القلب. إننا، على عكس أفضالكم ربما، نفضّل سكينة الغرف وصمت الأماكن حين نزورها، فنكتفي ببهجة مراقبة الجمال من بعيد، من شرفة الغرفة، وسكون اللحظات. ولكن، اكتشاف العالم لا يتمّ من لذّة المكوث في حضن الجدران. نحن الآن في قلعة بيللا باييس أو دير السلام الجميل، والدخول بتسع ليرات تركية. مَعلم يعود إلى القرن الثالث عشر، تسكنه التفاصيل وحكايات مَن مرّوا من هنا وتركوا أرواحهم في زواياه. قبل جولة السوق، هاجس كلّ سائح، يستوقفنا المرفأ حيث استراحة المراكب المواجِهة لمنازل قراميدها حمراء، مطلية بالأبيض، مستلقية بين الأشجار والبحر. امتدادٌ هائل للزرقة البديعة، المريحة للروح، فتشعر بأنّ العُمر سيطول، وما مررت به من اختناق سيتلاشى كذرات غبار. مراكب راسية، كما ترسو مراكب عمشيت أو جبيل، بسلام عظيم وعشق أزلي للبحر. والناس من حولها منهمكون بأجمل اللذائذ: الطبيعة والطعام والرفقة الطيبة.

كلّ يوم كأنه أحد سعيد في شمال قبرص. أحدٌ يخرج فيه المرء لتشقّ نسائم الهواء روحه وتملأه الشمس تجدّداً وانطلاقة. غرام المدن لا يشبه غراماً آخر. عشق من دون تفسير وتعلُّق لا يصيبنا بالخيبة.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard