برحيل جورج عريرو تفقد صناعة الفخار في طرابلس أهم حرفيّيها

18 نيسان 2018 | 13:11

غاب جورج عريرو، واحد من آخر الفاخوريين في الميناء بطرابلس. لم يعد هناك من يحيي الحرفة الأولى في التاريخ، فصناعة الفخار لم تسبقها صناعة في حياة الإنسان. 

غاب جورج، وأقفلت بغيابه نصف صناعة الفخار، ولم يبق إلا نسيبه الياس. مصنعا فخار شبه متلاصقين، يواجهان البحر وارتطام أمواجه طوال العام، يتابعان المهنة، ويحافظان على استمراريتها من الانقراض، حيث لم يعد أحد من أبناء الجيل الجديد يهتم بتعلمها، رغم جماليتها كحرفة، وجمالية ما تنتجه من أوعية.

كان جورج دائم الشكوى من واقع الصنعة، فالمضاربة قضت عليها، أو كادت، ولم تعد الصنعة تقدم إلا ما هو صالح للزينة والديكور. قلة من الناس تستخدم الفخاريات في طعامها وشرابها، رغم انعدام أضرارها الصحية، والاعتماد بات على الرائج من صناعة حديثة، تنتجها آلات متطورة، بمواد بلاستيك، أو مشتقاته، وجلها خطير على الصحة في الاستخدام المطبخي. لكن الرائج أقوى من التقليد، والأرخص هو الأكثر رغبة لدى الناس في ظل تفاقم الأزمات.

ولطالما جهد جورج في إقناع الناس أن الفخار صحي وما عداه ضار. لم يكن يريد أن يغش الناس أو يرغبها ببضاعته، وهذا مشروع، لكنه كان يقدم البراهين على صحة نظريته، ويدافع عنها بكل قوة.

شديد الشكوى من واقع الحال الاجتماعي- الاقتصادي، فالسوق يكاد يتوقف، وثمة مضاربة خارجية حتى على الفخار. حاله ضيقة، ضاغطة عليه في كل اتجاه، حتى انعكست على صحته، وعرضته لمشاكل قلبية، اضطر أن يجري لها العلاجات، ومنها الرياضة، فكان لا يمر صباح، حتى لو كان البحر قبالته في عز جنونه، إلا ويقضي ساعة يروح ويجيء على الرصيف، يحدوه الأمل بأن الآتي أرحم من الراحل.

فجأة، رحل جورج، تاركاً جمهوراً عريضاً يترحم عليه، ويحزن لفقده. أصابته جلطة في الرأس بحسب ما قالت جارتاه السوريتان المقيمتان في غرفة ملاصقة لمحترفه. أقفل المحترف، وبداخله تركة ثرية من الصناعة الانسانية، وطاولة تحتها دولاب التحريك بالقدم، كان جورج يقوم بتأليف قصصه الفخارية عليه. وفي الداخل، صفوف من البضاعة من أباريق، وأوعية زهر، ومقالٍ مطلية بالزجاج الصحي تنافس البلاستيك الضار، وأدنان، وسواها من قطع متنوعة الأشكال والمشارب تفنن جورج بصناعتها، وأجرى عليها تعديلات تزيين، وأعطاها قلبه الذي توقف فجأة ليهددها هي بالتوقف عن الاستمرار.

وفي الداخل فرنه الذي اعتاد أن يطبخ عليه فخاره الطري ليقسو، ويصبح قابلاً للاستخدام. الفرن بدوره كاد يتحول إلى البطالة، ولم يعد جورج يستخدمه في السنين القليلة من حياته إلا نادرا، ربما مرة في السنة، فالطلب قليل على البضاعة، وتشغيل الفرن مشقة ليس دونها من مشقات.

يبقى الاعتماد على استمرار صناعة الفخار على نسيبه الياس، موسوعة صناعة الفخار من ألفها إلى يائها. لكن هل هناك من مسؤولية في نطاق الشأن العام للحفاظ على استمرارية المهنة؟

في لبنان الأمل ضعيف، ونصف صناعة الفخار في طرابلس تضاءلت برحيل جورج عريرو.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard