أسئلة الكيميائي الكثيرة والموت السوري الواحد

17 نيسان 2018 | 10:50

بعد مجزرة الكيميائي في خان شيخون، منذ نحو السنة، تساءل "المنطق" السياسي، عن مصلحة الاسد في ارتكاب هذه المجزرة، في وقت كان الكل يؤيده، وهو ينتقل من انتصار الى آخر.  

البارحة، تساءل "المنطق" السياسي نفسه، عن مصلحة الاسد في ارتكاب مجزرة كيميائية جديدة في دوما، في وقت كان يحتفل بانتصاره في الغوطة الشرقية.

أصحاب هذا "المنطق" هم عادة من مؤيدي الاسد، وهذا "المنطق" يساعدهم كما يبدو، على استبعاد احتمال ان يكون الرجل على هذا القدر من الإجرام، ولا سيما عندما تكون المعركة قد انتهت لصالحه.

مشكلة هذا "المنطق"، بالاضافة الى وظيفته التبريرية، أنه يفترض ان المستبد "عقلاني"، يحسب الحسابات الدقيقة، وليس اسير النزعات الاستبدادية التي تتحكم بشخصه.

تصطدم فرضية "العقلانية" هذه باعتبارات عدة.

لقد بنى المستبد سلطته وحافظ عليها من خلال العنف، وتربّى على أن القتل والترهيب هو الطريق إلى الحكم والاستمرارية. فهل تريدون منه اليوم، ان يثق بوسائل أخرى، او يطمئن إليها، ولا سيما ان التجارب المتلاحقة علمته أنه لن يعاقَب على فعلته كما حاولت ان تدّعي البلدان الغربية؟

يطرح حازم الامين في "الحرة" وفي "الحياة" تفسيرا مكملا. في اعتقاده ان النظام يريد من خلال استخدام الكيميائي إيصال الرسالة الآتية: "على السوريين العائدين إلى الوطن ان يتذكروا ان العقاب الذي عاشوا في ظله على مدى خمسين عاما هو الآن مضاعف ومشحون برغبة بالانتقام. والنظام لن يتمكن من معاودة فرض سلطانه من دون شعب محكوم بحقيقة الكيميائي."

مع اقتناعي بهذا التفسير، أعتقد بأن الأمر يستمد جذوره من آلية عمل النظام المستبد نفسه.

فآلية عمل النظام المستبد في الحالات العادية تشبه استخدام الكيميائي في حالات الحرب والانتصار.

قمة الانتصار بالنسبة إلى النظام المستبد هي في حالات السلم الاهلي عندما يبسط تسلطه بـ"سلام" على شعبه. على رغم ذلك، نراه وفي الحالة هذه تحديداً، يلجأ الى القتل والاعتقالات واقصى درجات الترهيب والتعذيب.

استخدام الكيميائي في حالات الحرب هو المرادف للاضطهاد المستمر في ايام السلم. انه التعبير الذي لا يتوقف عن خوف المستبد الدائم من شعبه.

فكيف يمكن ان يكون وضع هذا الخوف بعد ان يثور الشعب على المستبد؟ يصبح المستبد عندها في أقصى درجات القلق والعشوائية والرغبة بالانتقام.

ارهاب النظام المستبد، كما الإرهاب الاصولي، ليس ظاهرة "سياسية" فحسب، بل هو اساسا، ظاهرة "نفسية مرضية"، أنتجتها مجتمعاتنا، التي أنتجت ايضا، نزعتنا المرضية، الى تبرير الارهاب، بتحليلات... سياسية.

التساؤل الذي كان يجب ان يسبق هذه الاسئلة والتحليلات، هو لماذا من غير المسموح به قتل السوريين بالكيميائي في حين ان قتلهم مباح بالبراميل والغارات والمدافع؟

لماذا غض النظر عن الجرائم التي ارتكبها النظام وحلفاؤه في الغوطة الشرقية خلال اشهر، واستنكار أميركا واوروبا لاستخدامه الكيميائي في دوما؟

ألأن آثار القتل بالكيميائي على الوجوه والاجساد، أكثر تانيبا لـ"الضمير العالمي" من آثار أدوات القتل الاخرى، واكثر تعبيرا لسقوط الأخلاق على المستوى السياسي الدولي؟

ربما.

لكن اغلب الظن، ان الهم الغربي في مكان آخر ولا علاقة له بمعاناة السوريين. فلا بأس ان يستمر هؤلاء في الموت والنزوح، لكن من دون ان يشكل ذلك تهديدا... لاسرائيل. فالكيميائي في يد المستبد قد يمس بأمنها، على رغم كل تطمينات النظام السوري لها منذ عقود. ففي ما يتعلق بأمن إسرائيل، المطلوب صفر مخاطرة بالنسبة إلى الغرب.

ربما حان الوقت ان نكف عن التحليل والتأويل والتبرير، ولنخجل من أنفسنا، وليملأ صراخنا الفضاء:

أوقِفوا قتل الشعب السوري.


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard