سجال محدود بين الإليزيه والبيت الأبيض؟

16 نيسان 2018 | 15:57

المصدر: "النهار"

الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والفرنسي إيمانويل ماكرون - "أ ب"

أعلن الرئيس الفرنسيّ إيمانويل #ماكرون أمس أنّه تمكّن من إقناع نظيره الأميركيّ دونالد #ترامب بإبقاء قوّاته لفترة أطول في #سوريا. وفي مقابلة مع شبكة "بي أف أم تي في" دامت حوالي ساعتين، قال ماكرون إنّ ذلك قد حدث قبل توجيه الضربة العسكريّة على سوريا ردّاً على هجوم دوما الكيميائيّ: "منذ عشرة أيّام، قال الرئيس ترامب إنّ إرادة الولايات المتّحدة الأميركيّة هي بفكّ الانخراط في سوريا. لقد أقنعناه بأنّه كان من الضروري البقاء". 

وكان ترامب قد أشار في تجمّع شعبيّ في مدينة ريتشفيلد يوم التاسع والعشرين من آذار الماضي إلى نيّته في سحب قوّاته من سوريا "قريباً جدّاً" الأمر الذي خلق التباساً داخل الإدارة الأميركيّة نفسها قبل الحلفاء الإقليميّين والدوليّين لواشنطن. وتساءل المراقبون حينها عمّا إذا كان ترامب قد "خرج عن النص" في محاولة إرضاء قاعدته الشعبيّة خلال تجمّع كانت غايته الأساسيّة التطرّق إلى البنى التحتيّة في ولاية أوهايو. وقد رأى آخرون أنّ ترامب بدأ يعود إلى وعوده الأولى خلال حملته الانتخابيّة حول تخفيف انخراط واشنطن في الحروب الدوليّة.

أسبوعان حافلان بالمواقف

في جميع الأحوال، إنّ إعلان الرئيس الفرنسيّ عن "إقناعه" ترامب بالعدول عن موقفه يستحقّ التوقّف عنده لعدد من الأسباب. ففي الرابع من نيسان الحاليّ، أعاد البيت الأبيض التأكيد على التزام الولايات المتّحدة وحلفائها بتدمير الجيوب الصغيرة المتبقية لداعش في سوريا، مشيراً في بيان إلى أنّ وجود التنظيم هناك يقترب من نهاية سريعة. وبالرغم من عدم تقديم سقف زمنيّ لسحب القوّات الأميركيّة بعد ضرب داعش، قالت الناطقة باسم البيت الأبيض ساره ساندرز حينها إنّ الولايات المتّحدة ستستمرّ بالتشاور مع حلفائها وأصدقائها حول الخطط المستقبليّة. جاء هذا البيان بعد يوم واحد أيضاً على قول ترامب خلال مؤتمر صحافيّ إنّه يريد الخروج من سوريا والبدء بإعادة إعمار بلاده. فهل تمكّن ماكرون خلال في هذه الفترة القصيرة من إقناع الرئيس الأميركيّ بتغيير رأيه في مسألة استراتيجيّة؟

إقناع آخر

إنّ رغبة ترامب في سحب جيشه من سوريا كانت أساساً متناقضة مع رؤية مستشاريه العسكريّين ومسؤولي البنتاغون والتي تطالب بالإبقاء على القوّات الأميركيّة هناك تفادياً لتكرار خطأ أوباما في سحب الجيش باكراً من العراق قبل نضوج الظروف السياسيّة والأمنيّة والاجتماعيّة. ولذلك، من المرجّح أن يكون هؤلاء قد دخلوا في نقاش مع الرئيس الأميركيّ لإقناعه بالعدول عن أفكاره الأخيرة ربّما قبل دخول ماكرون على هذا الخطّ. وما يثير الانتباه أيضاً في هذا السياق، أنّ ماكرون لم يكتفِ أمس بإعلان تمكّنه من "إقناع" ترامب في مسألة الوجود العسكريّ الأميركيّ وحسب. فخلال المقابلة، قال إنّه أقنع أيضاً ترامب عبر اتصالات هاتفيّة بضرورة أن تكون الضربات الموجّهة مقتصرة على المنشآت الكيميائيّة السوريّة. يطرح هذان الموقفان علامة استفهام أخرى حول هذا الموضوع بغضّ النظر عن أنّ الرئيسين يتمتّعان بعلاقة ودّيّة وقد تحدّثا عدّة مرّات في الأيّام التي سبقت الضربة، بحسب ما أشارت إليه هيئة الإذاعة البريطانيّة "بي بي سي".


ماكرون وترامب خلال مؤتمر صحافي مشترك في الإليزيه، 13 تموز 2017 - "أ ب"


فقد كان تحديد حجم الضربة ونوعيّتها وأهدافها من ضمن المواضيع الخلافيّة أيضاً داخل الإدارة الأميركيّة خلال التباحث في آليّة الردّ. ويمكن أن تكون هذه الخلافات من بين الأسباب التي أدّت إلى التأخّر في اتّخاذ القرار النهائيّ الذي جاء بعد حوالي أسبوع على الهجوم الكيميائيّ. على سبيل المثال، نقلت صحيفة "الوول ستريت جورنال" عن خلاف بين ترامب المؤيّد لضربة موسّعة وبين جايمس ماتيس المطالب بتنفيذ ضربة محدّدة خوفاً من التصعيد. وفي الحالتين، يصعب الجزم بمدى قدرة الرئيس الفرنسيّ على إقناع نظيره الأميركيّ في اتّخاذ القرارين بما أنّهما أساساً مثار خلاف داخليّ، وبما أنّ أيّ رئيس دولة سيستمع عادة لمستشاريه المقرّبين منه أوّلاً قبل الاتّفاق مع شركائه الدوليّين الآخرين.

السنة الماضية أيضاً

في السياق نفسه، لم تكن الإطلالة الإعلاميّة أمس لماكرون هي الأولى على مستوى تطرّقه إلى إقناع ترامب برؤيته الخاصّة إلى الملفّات الإقليميّة والدوليّة. فحين زار ترامب فرنسا في تمّوز الماضي، تباحث الرئيسان في عدد من القضايا ومن بينها خروج الولايات المتّحدة من اتّفاقيّة باريس للمناخ. غير أنّه كان لماكرون آنذاك تصريح لصحيفة "لو جورنال دو ديمانش" قال فيه إنّ "دونالد ترامب أصغى إليّ جيّداً وفهم مغزى كلامي ... وقال لي إنّه سيحاول إيجاد حلّ ما في الأشهر القليلة المقبلة" حول تغيير قراره والعودة إلى اتفاقيّة باريس. في هذا الكلام إشارة من الرئيس الفرنسيّ نفسه أيضاً إلى قدرته على كسب ثقة ترامب وإصغائه. لكنّ استعراض ماكرون لقدرته على التأثير في الرئيس الأميركيّ يعاود طرح الأسئلة عمّا إذا كان فعلاً يتمتّع بهذا المدى من التأثير أم أنّ هنالك بعض المبالغة في هذا الأمر سعياً لتحقيق صورة قويّة لشخصه ولفرنسا عموماً على المستوى الدوليّ. وبغضّ النظر عن ذلك، يبدو أنّ نظرة البيت الأبيض إلى تصريحات الرئيس الفرنسيّ لم تحمل ارتياحاً كبيراً.

فبعد مقابلة أمس، أعلنت ساندرز أنّ مهمّة الولايات المتّحدة في سوريا "لم تتغيّر". وأضافت: "كان الرئيس واضحاً في أنّه يريد أن تعود القوّات الأميركيّة إلى الديار بأقصى سرعة ممكنة. نحن مصمّمون على سحق داعش بشكل كامل وخلق الظروف التي ستمنع عودته". هل كان الإعلان مجرّد إزالة لمخاوف أميركيّة من إصرار الإدارة على الانخراط طويلاً في الصراع السوريّ أم أنّه ردّ غير مباشر من البيت الأبيض على الإليزيه بأنّ قراره داخليّ ولا يتأثّر بمحاولات إقناع من الآخرين؟ بالنظر إلى الظروف السياسيّة وشخصيّة الرئيس الأميركيّ، قد يأتي الجواب مازجاً الاحتمالين معاً. 


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard