في أحياء طرابلس القديمة... الانتخابات على وَقْع الرتابة و"العدو" و"الفقر يلي بيكسر الضهر" (صور)

1 نيسان 2018 | 10:51

المصدر: "النهار"

الانتخابات في طرابلس (رولا حميد).

كلما أوغلَ المرء في انتقاله من الأحياء الثرية الحديثة في طرابلس، نحو الأحياء القديمة، والفقيرة، يلاحظ تزايدا مطردا بأعداد الصور المعلقة بطريقة عشوائية إن في الشوارع، أم على الشرفات، أو جدران المنازل. لكن أكثر ما يلفت النظر هو مشهد المنطقة الممتدة من ضهر المغر قبالة قلعة طرابلس، وهي امتداد للقبة فوق مجرى نهر أبوعلي، وصولا إلى الحارة البرانية التي تعلو سوق الخضر وسوق القمح.

في هذه المنطقة المنحدرة بين القبة ومجرى النهر، ترتسم المنازل المتلاصقة التي يعود بناؤها إلى النصف الأول من القرن العشرين، طابعها من الطراز الحديث، وبينها بعض مواقع تراثية وأثرية.

على بيوت هذا المنحدر، تكتظ صور المرشحين، من كل الأصناف والفئات والانتماءات. ويكاد لا يخلو منزل من صورة أو أكثر. وقبالته على ضفتي النهر، سوق شعبي لكافة أصناف البضائع، ينتظر الباعة الزبائن، والمشهد أمامهم بات أمرا اعتياديا، وعندما يُسأل أحدهم عن الصور، وكيف تعلق، وهل يتم ذلك لقاء أجر ام مجانا، غالبا ما يأتي الرد بضحكة هازئة، وغالبا ما يأتي الرد: “معقول بعد في حدا ما بيعرف؟" 

وفي جولة لـ"النهار" بين باب الرمل، الطرف الجنوبي الأقصى لمدينة طرابلس، وحتى باب التبانة، الطرف الشمالي الأقصى لها، ومرورا بينهما بالأسواق الشعبية، مسرح كبير، لا يعرف المرء فيه من الممثل ومن الجمهور، ومن يضحك لمن أو على من.

الشارع يعيش حياته الطبيعية، حتى يخال المرء أن الأكثرية لا تنتظر الانتخابات، رغم دنو موعدها شهرا واسبوعا من اليوم، خلافا للمراحل الاسبق من المعارك الانتخابية التي كانت الحماسة تشتعل فيها شهورا عديدة قبل موعدها، وكانت تتمظهر بأرتال السيارات، واللافتات، ومكاتب المرشحين في كل الأحياء، لكنها لا تمثل اليوم أكثر من ١٠٪ من السابق.

ليس الجمهور قلقا على مصيره، فالمرشحون في انتظاره، والمرشحون يعرفون الجمهور الذي يقول شيئا قبل المعركة، ومتى حل موعدها، ثنى موقفه لأسباب كثيرة، وراح إلى الصندوقة يدلي بصوته رغم ممانعة يظهرها قبل المعركة، ولسان حاله يقول أن الجمهور لا يقدم ولا يؤخر، فالنتيجة حاصلة بأوجه متشابهة، فإذا لم يكن هذا، فسيكون ذلك، والنتيجة الحاسمة تحددها السلطة معتمدة على صندوقة الاقتراع.

يقول عبد المجيد طرطوسي، أحد نحاسي سوق النحاسين، وقربه قريبه محمد مثنيا على أقواله: “يوم الانتخاب، سأحضر الفروج، والسلطة، وألتزم البيت، فهذا الطاقم السياسي افرز دولة لم يكن لها هم إلا أن تأخذ أموالنا، وقدرتنا على العمل، ولن أكون مقتنعا بانتخاب أحد".

لكنه، في رده عن المعايير التي يعتمدها الجمهور في اختياره، يعتقد أن "قلة من الجمهور ستذهب إلى صندوقة الاقتراع". ويردف إن "عوامل التوجه إلى الصندوق عديدة، منها الوفاء لشخص تحبه، فوالدي كان صديق طفولة مع احد المرشحين الذي لم ينقطع عن زيارتنا، وعندما كنا نطلب منه حل مشكلة، لم يكن يتوانى عن ذلك. بيتنا يتعامل معه من منطلق الوفاء".

 لكن قريبه محمد يعلق بابتسامة هازئة، مصحوبة بحك اصبعين على بعض، إشارة إلى المال، ويقول: “عندما يأتي المال، كثيرون سيذهبون لأن الفقر يكسر ضهر الانسان، ولن تنفعه المقاطعة، وبيمرقها".

وفي أول الجولة، في باب الرمل، تطالع عابر المحلة صور جلها للرئيس نجيب ميقاتي، وبعض منها للرئيس الحريري، مع مرشحين آخرين أقل صورا.

يرد شاب يعمل في معجنات أبو فادي على سؤال عن سببب كثرة صور أحد المرشحين، وهل هي مدفوعة الأجر، ويقول: “لا هناك وفاء عند الجمهور، فقد يكون هذا المرشح قدم خدمات، ولا يسع الجمهور إلا رد الجميل له في موسم حساس. والرئيس ميقاتي قدم الكثير للمنطقة خصوصا أن مركز جمعيته الأساسي يقع فيها. وللرئيس الحريري محبة في قلوب الناس، ولذلك يرفعون صوره على شرفاتهم".

شاب ملتحٍ يستريح في مقهى موسى قال إن "كل انسان يرفع صورة لسبب خاص به، فقد يكون مستفيدا بطريقة ما من هذا المرشح، أو قد يكون عنده دافع آخر، مثل أن يكون أحد معارفه من الموالين للمرشح قد طلب منه تعليق الصورة".

الشوارع تكتظ بنسبة أقل من السابق بالصور، وفي الشوارع والأحياء الفقيرة، تغلب الصورة الصغيرة الحجم على المشهد العام خلافا للأحياء الحديثة الأكثر ثراء التي تكثر فيها صور مجسمة، عالية الجودة. حتى في الصور، يفضل للغني المشهد الأكثر "جمالا".

 في محلة خان العسكر، كان للكراميين سابقا حضور مفضل للسكان، واللافت اليوم غياب أي صورة عن جدران الخان، والمحلات قربه، ويقول شيخ من آل حيدر أن الزمن الماضي تغير، واليوم تعددت الأهواء والمشارب، ولكل شخص مرشحه وفق ما يناسبه".

 متقدما باتجاه السويقة، وعند منعطف بعد جامع التوبة، يقيم عبد الحفيظ غزول متجره الصغير للبضائع المتنوعة. قبالته شاشة البيوت المكتظة بالصور. يعلق: "غالبا هي مفروضة على الناس، لكن ليس من قبل المرشحين، بل من قبل أشخاص يعملون معهم، ولهم سطوتهم في الشارع، فمن جهة بـ"المونة"، ومن جهة ثانية بـ"الترهيب"، لا يسع صاحب المنزل رفض تعليق صورة لمرشح”.

غزول يتابع متحدثا بخواطره، ملفتا في فهمه للقانون، وحيثياته، وثغراته، ويقول: “حشرونا بهذا القانون. أنا أحب شخصا، وأريد أن انتخبه لأنه "آدمي"، لكن ظروفا وضعته مع آخرين على لائحة واحدة، لا أريد أن أختارهم. هنا تقع المشكلة”.

 ويستدرك: “لكن إذا لم تقترع، فإنك تكون قد دعمت عدوك".  

 بعيدا قليلا باتجاه باب الحديد، يجلس خالد عبد الواحد على كرسيه، منتظرا من يشتري من بضاعته. يقدم نظرية سياسية متكاملة في الانتخابات، ويؤثر في حديثه اختيار "برنامج" لا اشخاص. المشاريع الانتخابية أثمرت لنا دولة أنهكتنا بالفساد والضرائب، ولم تترك فرصة للناس للتطور والحياة الأفضل. بالتأكيد، لن اتوجه إلى صندوق الاقتراع لو أعطوني الملايين".

 داخل باب التبانة، يلفت النظر قلة الصور، واهتمام متواضع للسكان بالانتخابات. وفي شارع سوريا بعض صور متوقعة للرئيسين الحريري وميقاتي، ومرشحين آخرين أقل حضورا مثل فيصل كرامي، وصورة لمرشح من أبناء المحلة فتح مكتبا على الشارع العام.

 والد المرشح من آل العمر، يرتقب ان يكون الاقتراع "ضعيفا"، لكن الناس ستختار الأنسب. الظرف تغير اليوم عن السابق. ولا أظن أن المال والرشوة سيلعبان أي دور لأن كل شخص عنده مرشحه".

 تنتهي الجولة بين الملولة ومستديرة أبو علي، حيث يقع مكتب المختار محمد ضباب، أصله من عكار، لكنه عاش ونقل نفوسه من زمن بعيد إلى طرابلس. يتحدث عن الحركة الانتخابية قائلا: “لا تزال الحركة الانتخابية ضعيفة جدا قبل نحو شهر من موعد الانتخابات، وهذا لم نلمسه سابقا. كنا نبدأ بالتحضير للانتخابات قبل شهور عديدة، واليوم، وقبل شهر واحد، لم نلاحظ أي حركة، ولم يطلب منا أي شيء للتحضير، وما أقوم به بمبادرة مني تحضير اللوائح وفق ما اعتدت عليه سابقا”.

 قرب المختار، يجلس ناظر مدرسة خاصة هو هلال ضباب، هو قريب للمختار، ويعمل في ماكينة انتخابية لأحد المرشحين، يؤكد أن "المعركة لم تبدأ، والحركة متوقفة. كأن الناس ينتظرون تعليق الانتخابات، أو تأجيلها، وقد يحدث سبب أمني يطيرها".

وردا على سؤال يتعلق بأن الظروف لا تسمح بتوتير انتخابي، يقول: “أهل الموقوفين الإسلاميين نفذوا اعتصاما منذ قليل اعتراضا على صيغة قرار العفو المتسرب عن الحكومة، مستثنيا عددا كبيرا من ابنائهم، وهم هددوا بكل ما لديهم من قوة بتفجير الأوضاع إذا لم يطل العفو أولادهم".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard