أرنو بلترام... قصة كولونيل بطل ومسيحي ستُلهم الكثيرين

30 آذار 2018 | 15:34

المصدر: "النهار"

الكولونيل أرنو بلترام (أف ب).

لم يكن اللفتناتنت كولونيل ارنو بلترام مضطراً للتضحية بحياته من أجل إنقاذ رهينة من أيدي الإرهابي رضوان لقديم، الا أنه فعل ذلك ومات بطلاً مجسداً شجاعة استثنائية دفعت البعض الى تشبيهه بماكسيميليان كولبي الذي قدم حياته للنازيين في أوشفيتز عام 1941 لانقاذ حياة رب عائلة وأعلنت قداسته عام 1982. 

كل الدولة الفرنسية كانت الاربعاء في باحة قصر الأنفاليد بباريس: رؤساء الجمهورية الحالي ايمانويل ماكرون والسابقان فرنسوا هولاند ونيكولا ساركوي والحكومة والنواب والشيوخ والوزراء وما لا يقل عن 300 نائب والقيادات العسكرية وكبار الموظفين والحرس الجمهوري وموسيقى الجيش ومئات من المواطنين حضروا تكريماً مهيباً للكولونيل في سلك الدرك الوطني أرنو بلترام الذي ضحى بحياته من أجل إنقاذ عاملة في المتجر حيث ارتكب الفرنسي - المغربي رضوان لقديم، يوم الجمعة الماضي، فصلاً من أعماله الإرهابية. 



التكريم الرسمي لأرنو بلترام في باحة الأنفاليد. (أف ب)


لُف نعش بلترام بالعلم الفرنسي الثلاثي الألوان، وكرم بوشاح جوقة الشرف من رتبة قائد لينضم بحسب مكرون إلى جانب أبطال فرنسا ذاكراً منهم جان دارك التي حاربت الإنجليز وجان مولين بطل المقاومة ضد الغيستابو الألماني وشارل ديغول محرر فرنسا من جيوش هتلر.





بدأ الهجوم الارهابي الذي حول شرطياً الى بطل، صباح 23 آذار في بلدة كاركاسون، حيث سرق لقديم سيارة، وتسبب بمقتل راكب، عُثر على جثته في منطقة كثيفة الأشجار، وإصابة السائق. وإثر ذلك، أطلق النار على شرطي.

ويعتقد أن لقديم قاد السيارة المسروقة كيلومترات إلى بلدة تريب بجنوب فرنسا، حيث اقتحم متجراً، وهو يصيح "أنا أحد جنود داعش". هناك قتل أحد العاملين في المتجر وأحد الزبائن، قبل احتجاز رهائن. وبعدما تمكن رجال الشرطة من إخراج بعض ممن كانوا في المتجر، استخدم المسلح امرأة كدرع بشري. ولكن بلترام نجح في إقناعه بمبادلته بها، فأخذ مكانها، وتدعى جوليه، فسارع المسلح الى اطلاق رصاصات عدة عليه وأصابه بجروح خطيرة توفي متأثراً بها السبت.

شارك في حرب العراق

وبلترام (45 عاما ) متزوج وليس لديه أبناء. اتسمت مسيرته المهنية بالعطاء في الشرطة العسكرية الفرنسية. شارك في حرب العراق عام 2005 وحصل على وسام الشجاعة عام 2007. وكان قائدا في الحرس الجمهوري الذي يوفر الأمن في قصر الإليزيه.

وفي عام 2012 حاز على وسام جوقة الشرف الفرنسية المرموقة. وعين نائباً لقائد شرطة مكافحة الإرهاب في منطقة أود العام الماضي.

ووفقا لصحيفة "لاديباش دو ميدي" الفرنسية، قاد بلترام في كانون ثاني الماضي سيناريو محاكاة لهجوم إرهابي على سوبر ماركت بغرض التدريب، وهو يشبه إلى حد كبير الهجوم الذي وقع يوم الجمعة وفقد فيه حياته. وكما عاش بطلاً، مات برتران أيضاً بطلاً وصار رمزاً للشجاعة. وسيبقى في أذهان الفرنسيين ذلك العسكري الذي رفض الخضوع للارهاب، ورمزاً لفرنسا المقاومة في وجه الارهاب. وبالنسبة الى زوجته مارييل: "إنها مبادرة شرطي ومبادرة مسيحي. فبالنسبة اليه، كان الامران مترابطين، ولا يمكن فصل واحدهما عن الاخر".



فرنسيون يضعون باقات من الزهر عند مقر الشرطة في كركاسون. (أرشيف)


  وفي دير لاغراس الذي يعرف زواره الشرطي جيداً، كان الجميع مقتنعاً بأن تضحية كهذه لانقاذ شخص مجهول لا يمكن أن يحصل إلا لأن الكولونيل بلتران مؤمن جداً.

وتنقل صحيفة "الفيغارو" عن كاهن لاغراس جان-باتيست قوله: "الا يرتكز الدين المسيحي على كلام الله عن تضحية المسيح الذي مات على الصليب من أجل إنقاذ الانسان وتأكيد حبه المطلق له". وفي رأيه أن "إيماناً مسيحياً تحركه المحبة هو وحده القادر أن يطلب منه مثل هذه التضحية التي تفوق قدرة البشر".

 في موازاة التكريم الوطني الذي أقيم له في باريس، كان لتضحية أرنو وقع خاص في لاغراس، عشية اسبوع الالام. هو قصد المنطقة للمرة الاولى عام 2016 من أجل زيارة معلم تاريخي، ووجد فيها ما يلبي ايمانه، هو المتحدر من عائلة غير ملتزمة كثيراً، واعتنق الكاثوليكية في عمر الثالثة والثلاثين وتناول القربانة الأولى عام 2010.

 يروي رجل دين تابعه في مسيرته الروحية أن "أرنو سلك طريق هداية شخصي جداً. ايمانه كان صادقاً ولم تكن اجتماعية. كان شخصاً عميقاً. عمل كثيراً على ثقافته، كان يقرأ ويصلي. عاش لقاء حقيقياً مع المسيح وشعر بحبه".

دأب أرنو وزوجته مارييل على المشاركة دورياً في قداس الاحد في لاغراس. وهناك ايضاً استعد لزواجه الديني الذي كان مقررا في التاسع من حزيران.

 ولكن بدل سر الزواج، لم يستطع الاب جان-باتيست اعطاء ارنو الا بركاته الاخيرة في سريره بالمستشفى يوم وفاته. وقال في بيان نشره بموافقة زوجته مارييل: " كان لا يزال حياً فمنحته سر مسحة المرضى والبركة البابوية، ثم صليت على نيته...أرنو لم ينجب أولاداً ولكنه بطولته المدهشة ستلهم الكثيرين المستعدين لأن يضحوا بأنفسهم من أجل فرنسا وفرحها المسيحي".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard